إعلان

إعلان

الثلاثاء، 30 نوفمبر، 2010

قصة قصير ... اليوم الخالد

محمد ولد سيديا
msr.btt@gmail.com
تنفس الصبح ذات يوم بعد ما عسعس ليل طويل تاه فيه الناس ذات الشمال وذات اليمين .. وأشرقت شمس الأصيل تضيء ربوعا بها وقف الفهري ورابط بن ياسين .. ثم أضحت بعد ذلك منارا الأولي العزم من طلبة العلم والعارفين .. وطودا شامخا يضفي بظلال العز والكرامة على كل من استظل بظله أو احتمى بحماه ..
نصف قرن مضى على ذلك اليوم الحاضر الغائب وما زالت قصته محفوظة بكامل مفرداتها وحروفها في وجدان ذاكرتنا الجمعوية بأدق تفاصيلها وأبهى صورها .. وما أجملها من حكاية وأعذبها من كلمات يسردها و يرويها من عايشوا ذلك اليوم و كان نقطة فاصلة في حياتهم .. وما أروعها من قصص وأجلها من ملاحم سطرها الأجداد بدمائهم الزكية الغالية ودونت في كتاب التضحية المنثور في هذه الربوع المترامية الأطراف .. فكثيرا ما نتذكر أولئك المقاومين الكماة الذين أذاقوا المستعمر سوء العذاب فجر ذلك اليوم المشهود في أرض الرجال الأبية من تجكجة البطولة إلى لكويشيش الغراء .. ومن وديان الخروب الفيحاء إلى كدية أهل عبدوك الصامدة ..
ضحوة ذلك اليوم الخالد خرج سكان موريتانيا الفتية .. بلاد شنقيط المنارة والرباط عن بكرة أبيهم ولسان حالهم يقول :
يا موريتاني أعليك امبارك لستقلال   أعليك أعليك أعليك امبارك لستقلال
وفي وجوه القوم حماس ما بعده حماس .. وشوق وتطلع لمستقبل زاهر ووضاء .. تجمهروا في ساحة الإستقلال وواكبوا رفع العلم الوطني للمرة الأولى .. واستنشقوا ذاك النسيم الأبي الذي نجم عن رفرفة العلم خفاقا في سماء الحرية الصافية على أوتار تدينيت سيداتي ولد آب التي عزفت النشيد الوطني للمرة الأولى بكلماته الصادقة ومعانيه الجليلة .. كان شعورا لا يصدق .. "إذ تم إعلان الإستقلال في عنبر كبير تمت تهيئته لهذا الغرض ، لكنه لم يستوعب سوى الضيوف وأهم الشخصيات الرسمية الوطنية وتمت الإحتفالات في ظروف ممتازة وفي أجواء أنست الضيوفنا ما افتقدوه من وسائل الراحة والأمن لدينا ، فأعلنت وقد أخذ مني الحماس والغبطة كل مأخذ كما هو متوقع .. استقلال بلادي قائلا : ها قد تحقق الحلم الذي طالما راود كل موريتاني وموريتانية وفي هذه العاصمة الفتية الوليدة أدعوكم إلى الاعتراف برمز الإرادة لشعب كله ثقة بمستقبله "[1]..
توالت بعد ذلك أحداث وفصول قصة ذلك اليوم المعلوم وبين سطورها شاهدت حملة للمشاعل ليلة العيد وسط هتافات كثيرة تمجد الوطن وتعزز روح الوطنية .. ضجت الأرض بعدها على وقع أقدام الرجال .. وشدني منظر جميل جليل عزيز في نفس .. تمثل في رفع العلم الوطني في سماء الحرية على يد وحدة من الحرس الوطني بعد تأديتها  لتحية الشرف على أنغام النشيد الوطني  وخضت مع الخائضين في سباق الجمالة والخيالة وألعابا كثيرة مخلدة لذكرى الإستقلال كثيرا ما رسمت البسمة على شفاه الصغار وغرست فيهم قيم الوطنية وروح التضحية وأعادت إلى أذهان الكبار ما عاناه الأجداد في سبيل بزوغ فجر ذلك اليوم المشهود.. الخالد .. المعلوم .. الحاضر الغائب الذي ألفت حوله تسع وأربعون حكاية وحكاية وخمسون احتفالية وخمسون ذكرى وخمسون تمجيدة وخمسون وخمسون وخمسون ثم خمسون ...!!!





[1] - موريتانيا على درب التحديات (مذكرات الرئيس المرحوم المختار ولد داداه ) ص :200

الاثنين، 29 نوفمبر، 2010

فعاليات مخلدة لعيد الاستقلال في مدينة بتلميت

الشرطة تسيطر علي الساحة الأدبية


خلد سكان مدينة بتلميت الذكري الخمسون لعيد الاستقلال الوطني , حيث تذكّر ساكنة المدينة ملامح من تاريخ مدينة ظلت الحاضر الأبرز في تاريخ الإستقلال الوطني منذو بداياته الأولي وحتى اليوم ,
من حفل نادي حملة الشهادات في أبي تلمبت

"المدرسة رقم واحد" حيث درس الرئيس الأول وأبو الأمة الموريتانية المختار ولد داداه  "ومعهد بوتلميت" حيث تخرج أول جيل من المثقفين الموريتانيين , إضافة إلي مشاهد أخري كثيرة ظلت شاهدة علي الدور الريادي لمدينة بتلميت في عملية البناء الوطني للجمهورية الإسلامية الموريتانية  

أولي هذه الفعاليات, كان مهرجان أقامه *نادي حملة الشهادات* في بتلميت حول الاستقلال الوطني حضره جمع من النخبة المثقفة في المقاطعة إضافة إلي الوجهاء وأعيان المدينة  تضمن عدة فقرات حول الاستقلال ودلالته علي المستوي الوطني وبتلميت بصفة أخص, داعين إلي التعاون والتعاضد للمحافظة علي المدينة موحدة ومزدهرة  .
لحظة الإستعداد لرفع العلم
تخليد رسمي
صبيحة عيد الاستقلال تم في الساحة الواقعة قبالة الحاكم والدرك الوطني رفع العلم , حيث حضره حاكم المقاطعة والمفوض إضافة إلي قائد فرقة الدرك الوطني والحرس الوطني والمنتخبون المحليون وجمع كبير من المواطنين .

سهرة الحاكم ومفاجأة الشرطة

الحاكم وقائد الدرك في حفل الإستقلال
مساء الثامن والعشرين أقام حاكم المقاطعة السيد إسلم ولد سيدي حفلا كبيرا علي المنصة الرسمية , حضره الإداريون والمنتخبون , إضافة إلي الفعاليات الثقافية والشبابية التي شاركت في الحفل وقدمت مشاركات متنوعة , حيث قدم كل من جمعية شبيبة يناء الوطن ونادي شباب بتلميت الثقافي ونادي الشروق الثقافي مشاركات تمثلت فيما يعرف  ب" اسكاتش"كل علي حده , وقدمت جمعية المستقبل عرضا بالصور القديمة للاستقلال ولرواده , مع تعليق عليها وشرح لمضمونها ورمزيتها , وقد نال إعجاب الكثير من الحضور.
نادي حملة الشهادات بأبي تلميت كان أوفر حظا في الوقت حيث قدم عرضا عن مدرسة البنات في بتلميت وتاريخها وتأثيرها في المدينة , ليأخذوا بعد ذلك وقتا إضافيا خصصه لعرض تعريفي بالرئيس المؤسس المرحوم المختار ولد داداه .
مسابقة الشعر العربي والفصيح كانت حاضرة , حيث فاز بالشعر الفصيح عبد الله السالم ولد المصطفي يليه الشرطي رقيب أول محمدن ولد البشير , أما الشعر الشعبي ففاز به الشرطي رقيب أول  محمذن ولد اجريفين حينها وقف مفوض شرطة المدينة السيد محمد الكوري حيث شكر الشرطيين  واعدا إياهم بعطلة أسبوع وجائزة شخصية لكل منهم  وهو مانال إعجاب الحضور .
حاكم المقاطعة السيد إسلم ولد سيد كان آخر المتدخلين حيث شكر الحضور علي تواجدهم وشكر كذلك الجمعيات الشبابية والثقافية واللجنة التحضيرية للحفل مشيدا بدور الكل في تنظيم هذا الحفل , ومقدما جوائز الحفل  ليختتم الحفل بعد ذلك علي وقع الإحساس بنبل هذه الذكري وحتمية تخليده تخليدا يليق بها وخاصة في مدينة بتلميت .


جانب من الحضور

رئيس فرع جمعية المستقبل مع عمد تنقدج والنباغية


جانب من الحضور النسوي

جانب من الحضور




الأحد، 28 نوفمبر، 2010

مع الإستقلال .....ضد الإحتفال


الأستاذ/ابراهيم ولد جبريل
أيام  قليلة و تعلن التلفزة و الإذاعة عن تخليد بلادنا لذكرى الاستقلال الوطني، عندها سيتوجه رئيس الجمهورية إلى الشعب بخطاب تاريخي ربما سيتوجب علينا بعد ذلك صرفُ أكثر من شهرين لفهم مضامينه و كشف خفاياه،
سيظهر كالمعتاد تقي الله الأدهم على شاشة التلفزة الوطنية صحبة فيلق من ضباط محاربة الأمية أثناء حرب ولد الطائع الخاسرة، نفس الوجوه التي تصدرت حملة المعرفة للجميع و قادت انتفاضة الكتاب، نفس الوجوه التي ظلت تتقدم الجموع أثناء جولات ولد الطائع المشئومة.. نفس الوجوه، و ربما لا قدر الله هي نفس الوجوه التي سيستضيف تقي الله لتخليد ذكرى الإستقلال لعام 2020، و التي هي الأخرى ستكون استثنائية لوجود العشرين مرتين!!
عبارات تخليد الإستقلال و أفكار المدرسة الرمضانية و مبررات الإنقلاب و حجج زعيم المعارضة: 400 جيغا بايت من لغو الكلام تم تحميلها حتى في رؤوس أكباش الأضحية..
سيقولون بأنهم بدأوا إنشاء دولة من الصفر حيث لا قصر و لا عاصمة و لا سيارات فارهة ولا شوارع و لا شوكولاتة ولا هامبرغر..
سيقولون بأن المرحوم المختار ولد داداه كان حسن السمت، طيب المنبت، و إنه و إنهم مجتهدون إذا أصابوا فلهم أجران أو ثلاث و إذا أخطأوا فلا أقل من أجرين، أجر عند ربهم و أجر عند فرنسا!!
سيتحدث رئيس الجمهورية بالمناسبة العظيمة عن المشاريع العملاقة و سيغتنم الفرصة لتوجيه رسائل متعددة و متعجرفة لخصومه السياسيين، لن يرحمهم في صغيرة و لا كبيرة لأن ثأره عندهم سيبدو أكبر من ثأرنا عند الفرنسيين، لن يمنحهم فرصة للتقرب منه لأن موريتانيا في غنى عن خدماتهم عكس الفرنسيين، لن يكونوا شركاء في التنمية لأن الشراكة تم تخطيطها ووزعت على الفرنسيين..
ستُعد التلفزة تقريرا عجيبا عن مسيرة موريتانيا، لن تنتقد فيه فرنسا كثيرا و لا حتى قليلا!!، ستتوقف فيه طويلا - بلا مبرر- عند مظاهر البداوة و التأخر و لسان حالها "منها خلقناكم وفيها نعيدكم"، سيمر التقرير العجيب بفترة ولد الطائع كما لو أنها لحظتان و سيتوقف عند فترة عزيز كما لو أنها قرنان، سيحيد ولد الشيخ عبدالله كما لو كان رئيسا لأفغانستان.. وسيخلص إلى أنه ليس بالإمكان أحسن من ماكان..
سيتحدث ولد وأشدو و ابراهيم ولد عبدالله باسم "المثقفين"، و ربما سيعرج على باباه سيد عبدالله و إزيد بيه ليلقيا كلمة للعياطين..
ستزعجنا شنقيتل بمساجات التهنئة و ستعلن موريتل عن زيادة مائة بالمائة..
و غدا في التاسع و العشرين الموالي سنذهب للمكاتب و نبدأ في المكائد، و نستأنف العمل بشكل رهيب على طمس هوية هذا الوطن ونهب خيراته بتقنيات خجل المستعمر من استخدامها!
...
نصف قرن من الاستقلال مر بنا و لا تزال فرنسا تتحكم في كل شاردة و واردة  في حياتنا اليومية، نصف قرن!
نصف قرن مر بنا و فرنسا تتدخل في الملابس الداخلية لقياداتنا العسكرية، ماذا يعني نصف قرن؟
صحيح أن أعمار الشعوب لا تقاس كما تقاس أعمار الأفراد و نصف قرن لا يعني أكثر من بضع أجيال، إلا أنه حقيقة يجب الإنتباه إلى أن العالم في هذه الخمسين سارع من وتيرة النمو بحيث قطع في خمسين سنة مسافة القرون، لذا فإن يوما واحدا يضيع من عمر أمة من هذا الخمسين سيخلفها مائة لفة في سباق محموم و محتوم!
بصراحة، يجب على ضيوف التلفزة أو ساكنيها – على الأصح - أن يعلموا أن العد الطبيعي يبدأ بالصفر و أن الحالة الموريتانية لم تكن تتميز عن نظرائها في الستينات إلا بالطيبوبة و الليونة و الإستعداد للمساهمة في النهوض و التنمية..
و أنهم و غيرهم يتحملون جزء كبيرا مما نحن فيه من ضعف و ترهل..
و أن مفهوم الدولة ما يزال غائبا أو تحت الصفر في أذهانهم قبلنا،
يجب عليهم أن يعلموا أن إنشاء الدولة لا يبدأ بشق الطرق و تشييد القصور و لا يتوقف عند النية و الإجتهاد..
يجب علينا و عليهم أن نفهم أن الاستقلال ليس علما يرفرف و نشيدا يعزف على أرض تَنزف و تُستنزف..
أبدا لن نجد طعما للاستقلال ما لم نقتنع بقدراتنا الذاتية و نتحرك على قدمينا بدون عُكازات فرنسية، و نؤمن بأنه يمكن لموريتانيا أن تتنفس الأكسجين دون إشارة من باريس..
مشكلتنا أننا لحد الآن لسنا قادرين حتى على تحديد طريقة تخليد ذكرى الإستقلال، لسنا قادرين حتى على إختيار السنة التي نريد تمييزها بالإحتفال..
أدرك جيدا حجم النفوذ الفرنسي في شبه المنطقة و أعي كذلك مدى الإدمان الغريب لبعض كوادرنا لكل ما هو فرنسي، و أعتقد أنه بعد الحرب الإستباقية بدأت تتكشف للجميع السيطرة الفرنسية على معظم ألوان الطيف السياسي في البلد، غير أني كنت و لا أزال أؤمن أكثر بوجود أبناء بررة غيورين على سمعة و مصلحة هذا الوطن، و مستعدين لدفع ثمن العصيان الفرنسي و الإبتعاد عن تبعية جاك و ميشل..
إذا كنا نريد الحرية فلنتحرر من فرنسا أولا.. و إذا كنا نريد الاستقلال فلنبتعد عن المستعمرين..
كم هو من المخجل أن تتعثر بالحجر نفسه مرتين .


الجمعة، 26 نوفمبر، 2010

جمعية المستقبل تنظم ندوة ثقافية احتفالا بخمسينية الإستقلال الوطني...


في إطار النشاطات المخلدة للذكرى الخمسين للاستقلال  نظمت جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم مساء الخميس 25/11/2010 ندوة ثقافية بالمنصة الرسمية حضرها حاكم المقاطعة: إسلم ولد سيد والعمدة المساعد: سيد المختار ولد سيد ابراهيم ومسئولين في المقاطعة, وبدأت الندوة الساعة الخامسة والنصف حيث افتتحت بالقرآن الكريم ثم كلمة اللجنة الثقافية لتحضير النشاطات المخلدة للذكرى الخمسين, تلتها كلمة عن إرهاصات الاستعمار وبداية المقاومة مع رئيس الجمعية: محمد عبد الرحمن ولد الحسن .
توالت بعد ذلك مداخلات الأساتذة المحاضرون حول رموز المقاومة في موريتانيا ودورهم في مقاومة المستعمر.
واختتمت الندوة بكلمة لحاكم المقاطعة نوه فيها بدور جمعية المستقبل للدعوة والثقافة والتعليم في أبي تلميت ,شاكرا طاقم الجمعية على تنظيم هذه الندوة.

الأربعاء، 24 نوفمبر، 2010

الوزير السابق ورئيس الأيام الديمقراطية للتشاور عبد الله ولد الشيخ ولد أحمد محمود في مقابلة صريحة وجريئة


 كان جل من عارض فتوي الشيخ باب  من أصحاب الشوكة الذين سيفقدون إتاوات كانوا يفرضونها علي الضعفاء والعاجزين
أصحاب الإنقلاب الأول يبدوا جليا أنهم كانت لديهم نوايا سيئة تجاه بتلميت وأبنائها، حتي أنهم اعترضوا علي مرور الطريق من منها مفضلين أن تمر من روصو وتتجه شرقا
في حي هادئ من أحياء تفزغ زينة وفي منزل متواضع  يسكن شيخ وقور وبشوش يبهرك تواضع من 

الوزير عبد الله ولد الشيخ ولد أحمد محمود
 تسلم الكثير من الوزارت في فترة موريتانيا الأولي، شيخ يتكلم بحكمة وحنكة سياسية فريدة، يقطع حديثه  بكلمات  تذكرك بالآخرة والمصير المحتوم والصدق مع الذات.
في غرفته المتواضعة يجلس وبجانبه خرائط لموريتانيا ، وللعالم الآخر ، وبيده كتاب " الشمائل المحمدية " وفي مكتبته الكثير من الكتب العلمية والتاريخية، والوثائق النادرة، وفي ركن البيت مكتب مرتب، وجهاز إذاعي  قديم ،  وفي كل ركن من الغرفة بشاشة وابتسامة ، لا تخطئها عينك ، ووقار لا تكاد معه تحقق في وجه مضيفنا .
حقا هو من جيل فريد صناعة وخلقا وبساطة، تلاحظ ذلك في الهيئة والتعامل، تسقط نصائحه علي قلبك دون استئذان لصدق العاطفة والتوجيه ولمهابة الشيخ ووقاره.
ولضيفنا تاريخ محفوظ ، فقد كان الأستاذ عبد الله ولد الشيخ ولد أحمد محمود ، الذي ينحدر من مدينة بوتلميت، ومن أسرة علمية معروفة ، والذي يتكلم اللغة العربية والفرنسية والإنكليزية  أول من تولي تأسيس شركة " سونمكس " وكان كما يروي صاحب فكرة أن تكون عاصمة موريتانيا انواكشوط ، وتولي عدة مناصب ، بعد أن أكمل دراسته الإدارية في فرنسا عاد إلي موريتانيا سنة 1962 ليعين حاكما لدائرة أطار، ثم واليا لانواذيبوا ، وواليا للحوض الشرقي ، ثم وزيرا لعدة وزارات ، منها النقل ، والوظيفة العمومية ، والتخطيط والسياحة والصناعة ، ثم ممثلا لموريتانيا  في الإدارة الإنتقالية في الصحراء الغربية  ، ثم مستشارا في رئاسة الجمهورية في حكم الرئيس محمد خونه وبعد ذلك تقاعد في بداية الثمانينات  ولم يشغل أي منصب ، حتي اختاره العسكريون  رئيسا للأيام التشاورية ، التي- يؤكد ضيفنا أن التوصية الوحيدة التي تلقاها من الجهات المنظمة،  كانت الصدق والأخذ بجميع الآراء  - ، يعمل ضيفنا الآن مدرسا بالمدرسة الوطنية للإدارة،  وكان صاحب اقتراح تقديم دروس من التاريخ الموريتاني في هذه المدرسة وهو ما امتثلت له الإدارة فيما بعد .
تطرقنا مع ضيفنا لما يخص مدينتنا بوتلميت - مع رفضه التكلم بصفة  جهوية محضة - وهو ما ظل يؤكد عليه في ثنايا المقابلة ، لكن بحكم تخصص مدونتنا*بوتلميت اليوم* في شؤون بوتلميت، ودوره هو كأحد أبنائه، تطرقنا معه لكل المواضيع ذات الصلة بتاريخ الدولة، وبوتلميت وتاريخه الشخصي – الذي لم يكن يريد الحديث عنه – يتساقط الكلا م منه بكل انسيابية واقتدار يتلكم في التاريخ والسياسة و التراث والفقه وكل العلوم.
هو البحر من أي النواحي أتيته     فلجته المعروف والبر ساحله
فإلي المقابلة
أثناء المقابلة

*بوتلميت اليوم* : ماذا عن بتلميت ودورها التاريخي ؟
عبد الله : بتلمبت أسسه الشيخ سيديا الكبير ، وعند مجيئه لم تكن هناك استقامة  قروية ، فبني فيه دارا مشهورة - أدركت أنقاضها - كانت مكانا "للميْرة" ومكانا للكتب ، وقد أعلن استعداده  لتقديم كل مايحتاجه كل من يجيء إلي هذه المدينة فبدأت الناس تتوافد عليه بين من يريد العلم ومن يريد التصوف ومن يريد العيش معه وتوفير أمور معاشه، فكان لهذا التواجد قيمة بشرية رائعة ، وكان نواة لما يعرف بالمحظرة في بتلميت المدينة الحالية وأساسا للتقري فيها، لتبدأ المدينة بعد ذلك ، أما المراحل بعده فكانت استمدادا لتلك الجهود حيث قام بعده الشيخ سيد محمد ثم الشيخ سيديا باب وتواصل الجهد بعدهم.
فقبل الشيخ سيديا وإلى الآن كان هناك في كل قبيلة مركز علمي، وبعد الشيخ سيديا تمت المصادقة علي إقامة معهد في بتلميت، بتنفيذ من عبد الله ولد الشيخ سيديا، فكان لهذا المعهد دور كبير وبارز في تخريج أجيال كانت زبدة المثقفين والعلماء في هذا البلد.
*بوتلميت اليوم* : علي ذكر الشيخ سيدي باب هناك جدل الآن في الساحة  حول دخول المستعمر لموريتانيا ، ودور الشيخ سيدي باب في ذلك بشكل أساسي ؟
عبد الله : أولا أريد تصحيح كلمة الإستعمار ، التي معناها من عنده الأرض وزرعها كما تحيل لذلك الكلمة الفرنسية " كولون " أما الكلمة الدقيقة فهي الإحتلال و بخصوص الجواب علي سؤال
*بوتلميت اليوم* ، فهناك غلط كبير في هذه المسألة ، والكثير من الناس عن قصد فعل ذلك ، والبعض عن جهل ، لكن المتتبع للإرشيف الفرنسي يجد معلومات مؤكدة حول ذلك الموضوع ، ويجد أنهم خططوا لذلك وليس هناك مانع من ذلك ، فقد كان المحتل دخل الجزائر قبل ذلك وفي طريقه للمغرب ، وقوافله الاستكشافية جاءت منذو زمن بعيد ، فكان هناك تخطيط فرنسي للسيطرة علي موريتانيا، حتى تكتمل السيطرة علي مابين الشمال والجنوب .
الشيخ سيديا باب لم يذهب إلي النصاري ، فقد جاء كبلاني لتنفيذ الخطة التي رسمها الفرنسيون قديما ، وعندما وصل موضعا يسمي" سهوة الماء " شمال اركيز علم به الناس ومن ضمنهم باب ولد الشيخ سيديا ، فجمع جماعة وذهب إليهم في هذا الموضع ، ووجد أمامه الكثير من الناس ، منهم زوايا المنطقة الجنوبية ، وبعض أعيان  قبائل حسان ، وبعض الموريتانيين – ولا حاجة لذكر الأسماء- وعندما جاء بابه وجد المترجم المعروف ولد ابن المقداد فبرمج له لقاءا مع القائد الفرنسي - وهناك قصة طريفة توحي بالاستعداد الفرنسي في كل النواحي وخاصة جمع المعلومات فعندما جاء بابه التفّت حوله مجموعة من الموريتانيين ،الذين جاءوا قبله قائلين إنهم سيأخذون السلاح من الفرنسيين ويحاولون منعهم من دخول البلاد قائلين إنهم  يريدون منه تبني نفس الموقف فقال لهم " إيل فم " وعندما جاء إلي كبلان من الغد قال له مامعني " إيل فم " فقال باب معناها حتى ألقاك وأنا في ذلك الوقت لم ألقك - مما يدل أنهم كانوا مخابرين قبل مجيئهم ، وما أقوله موجود وموثق في وثائق كتبها الفرنسيون  في الأرشيف الوطني حسب اطلاعي عليه في سنة 1984 عندما كنت مستشارا للرئيس محمد خونة ولد هيدالة فطلبت من القائم علي الأرشيف إحضار محاضر الفرنسيين وخاصة دخول مدينة بوتلميت، لا أدري هل مازال هذا الأرشيف إلي الآن فيها  .
وقد سأل الشيخ باب الفرنسيين، ماذا تريدون ؟
 فقال له كبلاني نحن سندخل هذه البلاد
فقال له كيف تفعلون مع أهلها ودينهم ؟
 فقال له نحترم الدين ، ونسالم أهلها ، سواء من عارضنا أو وافقنا ، ومن حمل السلاح ضدنا قاتلناه ، ومن أراد أن نحميه فنحن مستعدون ، وقد كان بابه مشمئزا من السيبة الموجودة في البلاد والسطو علي الآمنين وغصب ممتلكاتهم فرأي في الأمر إمكانية لتحقيق مصلحة وطنية وتوفير أمن مفقود للضعفاء من صولة أهل السلاح وأصحاب الشوكة مع عدم القدرة علي رد الفرنسيين بحال من الأحوال ، ومع ذلك فإن الشيخ باب لم يتكلم ردا علي أجوبة كبلا ني ، وبعد رجوعه إلي بوتلميت شاع في الناس أن النصاري دخلوا البلاد ، فكان الحديث عن الجهاد ضدهم ، فكتب بابه كتابا يبين فيه بالدليل من الكتاب والسنة أن شروط الجهاد لم تتوفر بعد ، وبعث به إلي الزعماء وأصحاب السلطة الزمنية " حسان "فقبل الكثير منهم  ذلك وعارضه بعض آخر،  فتجمعوا  وغادروا إلي ولاية آدرار حيث تجمعوا هنالك حتى جاء العقيد " كورو" فدخل أطار عنوة ، بعد ذلك بدأت رحلتهم إلي المغرب لمحاولة الإعداد للمقاومة، مستعينين بالشيخ ماء العينين والسلطان المغربي  حيث بدأوا  التمركز في مدينة تجكجة حتى دخلها الفرنسيون فغادروا إلي  المغرب ، هذا عن المرحلة الأولي ، أما الشيخ  باب فلم يزد علي  كتابة  سقوط الجهاد عن أهل موريتانيا ، وقد قرأت في الآونة الأخيرة  كتابات بعضها عن جهل والآخر عن قصد تزوير التاريخ ، حتى أن أحدهم قال إن قبيلته كانت من أهل العلم في زمن كان  بعض سكان المنطقة الجنوبية في جهل معتم ، وهو أمر مضحك .
*بوتلميت اليوم* : ماذا عن دور بتلميت السياسي ؟
عبد الله : بتلميت كان لها دور مهم ، لأن أول رئيس لموريتانيا هو المرحوم المختار ولد داداه، ونواة معه من أبناء المدينة " بما أنكم سألتم عن المدينة فقط حتى لا يعتبر الأمر تزكية أو فخرا بها "  كانت اللبنة الأولي في بناء هذا الوطن واستقلاله حيث لم يكن الفرنسيون يريدون الإستقلال والمواطن الموريتاني في ذلك الوقت ليس مستعدا   لجعل الدولة المركزية  بدل النفوذ القبلي ، يساعده في ذلك رؤساء القبائل .
*بوتلميت اليوم* : وضعية مدينة بتلميت الآن ، مقارنة بدورها الثقافي والسياسي ، هل هو تهميش  من الحكومات ، أم نسيان أبناء المدينة لمدينتهم ؟
عبد الله : الجيل الأول أو جيل التأسيس للدولة الموريتانية ، ظل يسمو فوق الانتماءات والأعراق ، ويحاول بناء موريتانيا كلها دون تمييز أو محسوبية ، وقد يكون هذا مما أخر مدينة بوتلميت ، لكن الذين جاءوا بعد ذلك - وخاصة أصحاب الإنقلاب الأول - يبدوا جليا أنه كانت لديهم بعض النوايا سيئة تجاه المدينة وأبنائها ، حتى إنهم اعترضوا علي مرور الطريق من مدينة بتلميت مفضلين أن تمر من روصو وتتجه شرقا ، مما يبرهن علي أن الأحكام التي قبل الحكم الحالي كان لكل منها نصيب من ذلك  إلا أن الجماعة الأولي تميزت بالاهتمام بكل ما يضر حتى من خلا ل تفرقة مواطنيه ، والمشكلة أن المجموعة الأولي فاقدة لمفهوم الدولة  وأهميتها وهو ما انعكس علي تعاملهم  مع كل المواطنين
 *بوتلميت اليوم* : خلال عملكم في الإدارة  ماهي  أبرز الصعوبات مع الفرنسيين بعد الإستقلال ؟
عبد الله : في سنة 1962 عدت من فرنسا منهيا دراستي الإدارية ، وعينت " حاكم دائرة أطار " وبعدها عينت في انواذيبوا ، وعند مجيئي وجدت شركة "ميفرما" قد بنت مدينة " كاصادوا"  ولديها فرقة عسكرية تقوم بتأدية تحية الشرف في المطار لمسؤوليهم ولديهم إدارة كاملة في المدينة ، وكأنهم دولة داخل موريتانيا فرفضت الوضع وقمت بوضع فرقة من الدرك  وإدارة متكاملة في المدينة في أول تماس مع الفرنسيين النافذين آنذاك .
وأتذكر في تلك الفترة ، عندما أسس المرحوم بوياكي ولد عابدين شركة الخطوط الجوية الموريتانية، اشترى طائرتي دس3 وكانت " ميفرما " تستأجر يوميا طائرة صغيرة من دكار لحمل الأشخاص والمواد الغذائية وبعد صدور مرسوم يمنع ذلك كان لابد من إيقاف ذلك التصرف، والتأكيد على أن النقل الداخلي لا يمكن  إلا عن طريق الخطوط الجوية الموريتانية ، وعلمت بوجود طائرة في المطار تابعة لميفرما فأرسلت فرقة من ما يسمي آن ذلك ب " قوم الوطن " وأمرتهم بأن لا يتركوا الطائرة تطير وإن اقتضي الأمر استعمال بنادقهم ، واستدعيت مديرها وأخبرته الخبر فرفض التفاهم معي ، وذهبنا إلي الوزارة التي رفضت ما رفضته مطالبة بتطبيق القانون.
كما أن مشكلة وقعت لنا عندما اقترحت علي الحكومة الموريتانية إنشاء مركز إداري في " أحسي عدل بكر"كما كان يسمي آنذاك . وأوفدت لي الدولة السيد محمد ولد انّ " فأرسلت معه خيمة وبعض رجال الدرك وجهاز اتصال لاسلكي ، وأمرتهم ببناء مكاتب في عدل بكر ، لقربه من الحدود المالية ، وحتى تتوقف هجرة القبائل إلي مالي  بحجج متعددة وهو ما كان تحديا كبير ا يواجه الحكومة في تلك المرحلة ،  حتى يطمئن الموريتانيون ويسكنوا أرضهم ويجدوا إدارة تتعاطي مع مشاكلهم ، وبعد ما فطن الماليون أننا سنبني مكاتب ، جاءوا إلي السيد  محمد ولد انّ ، طالبين منه إخلا ء المكان في ظرف ثمان وأربعين ساعة  ، اتصل علي محمد ، وأخبرني بذلك ، فاتصلت علي انواكشوط ، وأخذت معي كل ما وجدت من العسكريين - وكانوا قلة - وهم كلما وجدت من الحرس والدرك ، وذهبنا إلي عدل بكرو ، وعلمت بوجود فرقة عسكرية بقربنا يقودها الضابط محمد محمود ولد الديه ، فأمرته بعدم المبيت إلا في "احسي عدل بكرو" وفعلا بتنا كلنا في عدل بكرو  مجهزين  بما نملك للدفاع عن أرضنا  وفي الصباح الموالي اتصلت علي الحكومة من نواكشوط ، وأخبرتني أن حاكم النوارة المالي سيلتقي بنا في مالي لرسم حدود عدل بكرو ، ذهبت أنا والسيد الدكتور عبد الله ولد اباه طبيب والسيد عبد الحي حاكم آمرج والضابطان محمد محمود ولد الديه ومحمد الأمين ولد زين ، وبعد مفاوضات شاقة لم نتوصل إلي نتيجة  فاقترحت عليهم الذهاب إلي عين المكان ، وطرح الخرائط لمعرفة حقيقة تبعية المكان و، فعلا ذهبنا إلي عدل بكر وأقر الماليون  بوجوده داخل حدودنا وإن بكيلين أو ثلاثة ، أمرت الحاكم ولد عبد الحي بضيافتهم ، حتى نعد نحن المحضر ونوقعه ويذهب كل منا بنسخة منه حتى لا تتكرر المشكلة.
 وقد زرت عدل بكرو سنة 1996 فوجدته مدينة عامرة ومركزا تجاريا مهما للتجارة وللدولة الموريتانية والحمد لله.
وبعد حل مشكلة الحدود، استدعتني الدولة و كلفتني بإنشاء شركة سونمكس ، وقمت باتصالات وأسفار عديدة بغية جلب الأموال ، لأن الدولة ليس لديها تمويل لهذه الشركة ووجدته منسيا عند الجمارك في السنغال بموجب اتفاق مشترك مع موريتانيا، وكانت المشكلة أنني ليست لدي خبرة في التجارة الخارجية ، فاستعنت بخبير فرنسي من شركة عالمية لصناعة السكر في العالم ، مكث معي أشهرا في غرفة من مبني الغرفة التجارية ، فأعطاني فكرة عن الشحن والتجارة الخارجية والموانئ ، وسافرت إلي دكار وعدت منها بعد الحصول علي التمويل ، ثم سافرت إلي الصين  لشراء الشاي ، ومنها إلي "كامبودج" لشراء نوع من الأرز يحبه الموريتانيون كثيرا ، واشترينا السكر من الشركة الفرنسية فأنشأنا شركة سونمس التي بدأت بعاملين ، كاتبة وسائق مع المدير العام ، وفتحنا فرعين في الداخل أول فرع كان في لعيون ـ لأن المنطقة الشرقية كانت كل ما جاءت  الأمطار انقطعت عن البلاد بسبب السيول ـ وعينت على هذا الفرع أحمد ولد الطايع  والآخر في كيهيدي لا أتذكر من يديره  وقضيت عليها ثلا ث سنوات .
وبعد ذهابي من ازويرات إلي الحوض الشرقي ، ومعاينة أحوال الناس وأوضاعهم المعيشية ، تبنيت مشروعا كان له أثر كبير في تلك السنة 1964 حيث كانت حكومة مالي تمركز التجارة كلها تحت يد شركة واحدة ، وكان الموريتانيون في تلك المنطقة يستعملون الكثير من الحبوب ، ويفضلون شراءها عن طرق أخري لأنها أرخص ، وصار الماليون يأخذون من الموريتانيين كل من يشتري من غير الشركة فكان في ذلك مشقة علي المواطنين ، رأيت أن البلديات الريفية في ذلك الوقت لديها ميزانيات كبيرة بحكم ضرائب الحيوان ، تصل في بعض الأحيان إلي عشرات الملا يين من الفرنك الإفريقي الذي نتعامل به آنذلك ، ومع أنني ليست لي عليهم وصاية ولا أتدخل في شؤونهم ، فرأيت إنشاء مشروع زراعي مفيد من أهم الحاجيات في ذلك الوقت ، ورأيت الماليين لديهم نوع من الآليات الزراعية قدمت من الشرق الشيوعي تسمي بالعامية عندنا " إيواجلن " واحده " أواجيل " فطلبت من المدير العام للزراعة معرفة مكان بيع هذه الآلات فإذا به ليس لديه علم بذلك فتصرفت ، ووجدت أحد الآوربيين يعرف مكان بيعهم في السنغال ،  فاتصلت علي الشركة ووقعنا الصفقة علي500 آلة زراعة وأمرت اصحاب البلديات بتوقيف ميزانيات البلدية وامتثلوا مع عدم إلزامية ذلك لهم مني ، واشترينا تلك الآلات ، وكان لها  دور فعال في الزراعة في ذلك العام ، وكانت المرحلة الثانية هي شراء ألف آلة زراعة ونفس العدد من الثيران ليستفيد أصحاب المواشي ، وإنشاء مخازن في كل بلدية مع بعض الصيانة للآلات  ، فأرسلت لي الوزارة المدير السيد مالكيف ول الحسن فلما كان وقت الحصاد كانت النتيجة مفاجئة بكل المقاييس بقي الزرع في كل مكان ، لكني استدعيت إلي  العاصمة بعد ذلك لمهام الوزارة .
كما أن مدينة النعمة في فترة الأمطار لم يكن الطيران يستطيع النزول فيها لأن المدرج تفسده المياه ، وبحكم صداقتي مع السفير الألماني ، مول لي مدرجا وصار الطيرا ن ينزل في كل وقت في مطار النعمة .
هذه بعض الأمور أردت التنبيه عليها ، حتى أؤكد أن عملنا كموريتانيين وكمنحدرين من مدينة بتلميت ، كان عامّا وشاملا ، وأستطيع القول إن بتلميت لم أعطه أي جهد من عطائي كأحد أبناء المدينة ، بينما كان للحوضين أساسا وولايات الشمال  ، والضفة ، وهو ما أفتخر به ولا أمنّه علي أي مواطن في هذا الوطن الحبيب .
*بوتلميت اليوم* : كنتم واليا في العيون فترة الحكم الإنتقالي في الصحراء، ماذا عن هذه الفترة ؟
عبد الله : كان هناك اتفاق بين موريتانيا وإسبانيا والمغرب علي إدارة مشتركة للصحراء ، وكنت والي موريتانيا مع المغربي أحمد بن سودي والإسباني" سلا زارا "وكان علينا البقاء لمدة ستة أشهر بعدها يستدعي المجلس الإقليمي للموافقة علي تقسيم الصحراء بين موريتانيا والمغرب ، وكانت مرحلة صعبة  وتعرضنا لأمور عدة منها أن الصحراويين حاولوا قتلنا فوضعوا قنبلة في الفندق الذي نسكن فيه ، وفطنت لها عاملات نظافة ، واشتبهوا فيها وأخبروا رجال الأمن ففككوها وأذاعها الإعلام الإسباني ، أتذكر أن السيد معروف ولد الشيخ عبد الله اتصل علي وهو سفير في مدريد للإطمئنان علي صحتي .
أمرتني الحكومة  بالذهاب بمديري مراكز من  موريتانيا إلي مدينة الداخلة، للتدريب علي إدارة تلك المنطقة وتأمينها فأخذت معي بعض الإداريين ، وعسكريين هما الضابط  السيد أحمدو ولد عبد الله لتأمين ميناء الداخلة والسيد أحمد سالك ولد سيد لتأمين ميناء شبه جزيرة الداخلة ، وأقمنا حفلا حضره وزير الدفاع السيد عبد الله ولد أباه ووجدنا مشكلة في تأمين المنطقة لقلة السيارات فأعطانا الأسبان عشرين سيارة قديمة لا تستطيع قطع الطريق إلينا فطلبنا منهم  حملها في سفينة إلينا ، وطلبت من السيد أحمد سالك ولد أبوه وهو رجل أعمال شراء بقية السيارات فاشترى لنا عشرين سيارة جديدة وعدة أجهزة اتصال لا سلكي من إسبانيا وأرسلهم إلينا في الداخلة .

*بوتلميت اليوم* أخيرا: هل من نصيحة توجهونها لشباب المدينة ؟
أنصح الشباب في مدينة بوتلميت ببذل الجهد لبناء المدينة والإرتفاع عن النزاعات والصراعات القبلية ، وأن يكثروا من  النقاش والقراءة ومعرفة كل الأمور القديمة والجديدة علي الساحة الوطنية
كما أؤكد أنه علي الشباب أن يبتعدوا عن معارضة الأنظمة الحاكمة ، لأنه حسب قناعتي أن المعارضة في العالم الثالث غير مفيدة ولا منتجة وتمكن من  استهداف المدن التي ينحدر منها المعارضون وهو ماجربناه وجربه من عارض الأنظمة .
كما أؤكد أن الرئيس المرحوم المختار ولد داداه كان له اهتمام خاص بالشباب وتجلي ذلك في مؤتمرات عقدها وانضمامات شبابية واضحة ، وإشراكهم في القرار والتوظيف .
وأنصح شباب مدينة بوتلميت بالإنضمام للحزب الحاكم الآن لانني أري أن توجها ت الرئيس محمد ولد عبد العزيز بناءة وتخدم مصلحة الوطن ، كما أن توجهه يولي أهمية كبيرة  ويهتم بالشباب اهتماما كبيرا .
كما أؤكد استعدادي للمشاركة في أي جهد يبذله أبناء هذه المدينة ، من محاضرات وندوات تنير الطريق وتعطي دفعا قويا لمدينتينا العتيقة والغالية.
*بوتلميت اليوم* شكرا جزيلا السيد الوزير .
عبد الله:  شكرا لكم وأتمني لكم التوفيق .






الشيخ محمد سالم ولد المصطاف في ذمة الله


توفي اليوم الثلاثاء ضحى المغفور له بإذن الله الشيخ محمد سالم ولد مصطاف ودفن في مقبرة علب الرحمة بقرية أوكي , ويعتبر الفقيد من مشايخ الدعوة  *وبوتلميت اليوم* بهذه المناسبة الأليمة تقدم التعازي لأهل الفقيد وذويه,وتفتح صفحاتها لنشر كل التعازي التي تصلها, وتسأل لله أن يتغمده بواسع رحمته ويدخله فسيح جناته وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الجمعيات الشبابية تنظم ندوة ثقافية في اطار احتفاليات ذكرى الإستقلال

صورة من الأرشيف

نظمت الجمعيات الشبابية مساء الأحد في مدينة بوتلميت ندوة ثقافية تحت شعار *حصيلة خمسين عاما من الثقافة * وذلك تخليدا لخمسينية  عيد الإستقلال الوطني  ,وركز المتدخلون على التذكير بالإرتباط التاريخي لمدينة بوتلميت بذكرى الإستقلال ,ومااضطلعت به خلال تاريخها من دورحضاري وثقافي وعلمي وروحي.
وحضرالندوة السيد الحاكم والعمدة وبعض المستشارين ,وأعضاء اللجنة الثقافية المحضرة لإحتفالية عيد الإستقلال الوطني .
يشار الي ان حضور الندوة من الجمهور العام لم يكن على المستوى المطلوب ,رغم أنها منظمة من طرف كل من نادي الشروق الثقافي والرياضي  وجمعية شبيبة بناء الوطن,ونادي حملة الشهادات. 

الاثنين، 22 نوفمبر، 2010

أضاعوني بسبب إعتزالي للإيديولوجيات


الحلقة الأولي:


الشاعر: محمد الحافظ ولد أحمدو
في مقابلة جديدة ل"الأخبار" مع الشاعر الموريتاني الكبير محمد الحافظ ولد أحمدو، طرقت مختلف الجوانب الأدبية والثقافية في حياة ولد أحمدو, استذكر لنا أيام النشأة في علب آدرس وبدايته مع الشعر وفترته في معهد أبي تلميت بين "علية" القوم كما يقول, من منتصف سبعينات القرن الماضي بدأ الرجل يحمل حقيبته في المطارات في سبيل الشعر, زار العراق مرات عديدة وأقام في بغداد برهة من الزمن يجالس البياتي وشعراء دجلة والفرات, ثم يممت راحلته صوب المسجد الحرام, فأقام بمكة شهرا "كعشر سنوات" كما يصف, مرة في بغداد قال له أحدهم إن نزار قباني أشعر من المتنبي لسبب واحد بسيط هو أنه هجا السادات رئيس مصر الراحل، فرد عليه ولد أحمدو هذه لن تفضله على المتنبي، فالمتنبي هجاه يقول:
لا يدرك المجد إلا سيد فطن لما يشق على السادات فعال

لا يقرأ الشاعر الذي يعيش في بيته بين الكتب التي ينفق كل ماله في سبيل جلبها, لا يقرأ شعر غيلان إلا فاضت عبرته, مرة ذهب يستجلب لأهله بعض الحاجات المطبخية فصادفه بائع الكتب في الطريق اشترى بالمبلغ الذي بجيبه كتبا وعاد إلى أهله بغير ما ينتظرون.

إذا زرته يتنقل بك بين مختلف العلوم في لحظة واحدة، يحدثك عن ابن تيمة وعن طه حسين ويقوم ليريك كلاما ذكره الذهبي في سير أعلام النبلاء، ثم يستشهد لك بشعر الجاهليين، ويعطيك رأيه في أدونيس.
 

"الأخبار" أجرت معه حوارا شاملا مطولا من أطول اللقاءات مع ولد أحمدو تسعى من خلاله إلى تقديم الكثير من أخبار هذا الشاعر إلى القراء والمهتمين, وسينشر في حلقات.

(الحلقة الأولى)


نتشرف بكم، ونسأل عن كيف كانت نشأتكم، وارتباطكم بالثقافة والمعرفة داخل بيئتكم الاجتماعية؟

محمد الحافظ: أنا أشكركم لإتاحة الفرصة لهذا الحديث, ولو أن الحديث عن النفس يصدق فيه قول أحد الفلاسفة الأوروبيين" إن أسمج الحق حديث المرء عن نفسه" فهو حتى ولو كان حقا يكون سمجا. فما بلك حفظنا الله وإياك إذا كان كذبا.

 على كل، أنا نشأت في بيئة مليئة بالعلماء والأدباء، أغلب علمائها أدباء وشعراء ورواة وظرفاء. كانت تلك البيئة في ضواحي مدينة "بو تلميت" في مكان قريب من ما يسمى الآن "علب آدرس" ووقتها كنا نكون حول بئرها.

ما هو انطباعكم أنتم الآن عن هذه البيئة؟

أنا من وجهة نظري أن الإنسان دائما يصدق عليه قول الشاعر عمرو بن أبي ربيعة "حسن في كل عين من تود" ولكن أنا الآن راض عن أغلب ما فيها. لأني وجدت علماء صلحاء متقنين للغة العربية ومتسامحين. وجدت فيها تعايشا بين التصوف بطرقه المتعددة وبين من لم يتصوف. وكان فينا أشخاص يشبه أن يكونوا من المتشددين تقريبا في البدع وما شاكلها. ولكنهم متعايشون مع الصوفية تعايشا سلميا ليس فيه أي تناقض. فأنا أرى أن هؤلاء كانوا من الحكمة والعلم والفضل بحيث لم يقع بينهم أي تناقض، ولا أي شيء. أذكر من مشايخي العلامة محمدن ولد الطلبة ولد أحمدو فال. الذي قيل في أبيه لمرابط ولد أحمدو فال " ماكيفو أحد اسو منه** في امتثال الكال الفعال**واجتناب الناهي عنه" كان خلقه مدرسة أخلاقية تحتذى. وكنت أرى فيه أو أشبهه - ولا أزكي على الله أحدا - بما قالت عائشة عن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم " كان خلقه القرءآن" ودرست على العلامة الدنبجه ولد معاوي وهذا قريب لي جدا. أبوه عم والدتي وهو أستاذي الأساسي في النحو. درست عليه طرة بن بونه. ودرست عليه أيضا "الشعراء الستة الجاهليين" وإن كنت قد درست شعر زهير على العلامة محمدن ولد أحمدو فال. ودرست عليه أيضا بعض النحو. وعادة تتخلل الدراسة هنا وهناك. فنحن على كل حال كنا أحياء. أحوية، والحواء مجموعة من بيوت العرب. كنا أحوية تلتئم مرة ومرة تكون لكل منها بئره التي يقطن فيها. كما قال تميم بن أبي بن مقبر العجلاني:
 

قوم محاضرهم شتى ويجمعهم ** دوم الإياب وفاثور إذا انتجعوا.
 

المكان الذي تكون فيه النجعة تكون فيه البقول والمياه، فلذا تجتمع الناس عنده وتفترق إذا فقدت هذه الأشياء.
- بدايتكم مع الشعر كيف تستذكرونها؟
محمد الحافظ: منذ نشأتي وأنا مرتبط بالشعر. أذكر أني كنت كلما سمعت قصيدة جميلة تمنيت لو قلت مثلها. وكنت كلما رأيت منظرا مؤثرا أجد حزازة في نفسي على أني لم أقل شعرا جميلا يتناسب مع المنظر. أذكر أني كلما قرأت لغيلان تفيض دموعي إلى الآن، وعادة إذا أردت أن أقرء القرآن أقرء شعر غيلان أولا حتى إذا فاضت دمعتي أخذت القرءان حتى أكون متباكيا في القرءان.
- ما الذي يثير هذه الدمعة خلال قراءتكم لغيلان؟ ما هو السر برأيكم؟

محمد الحافظ: لأن بيئة الشاعر غيلان تشبه بيئتنا لدرجة أن ناقة غيلان التي تسمى "صيدح" أصبح اسمها وصفا لكل ناقة تركب عندنا. وهذا من تأثير غيلان فينا. ومرة نازلت شاعرا عراقيا قال يمازحني: إن الشناقطة الموريتانيين طيبون، ولكنهم يلبسون عرائسهم ثياب الحداد. قلت له وأنتم تلبسونهم الأكفان.- لأنهم يلبسونهن ثيابا بيضاء -. ونحن هذا التقليد الذي نصنعه هو تقليد أندلسي . وقال فيه غيلان:

وليل كجلباب العروس ادرعته ** بأربعة والشخص في العين واحد
أحم علافي وأبيض صــــارم ** وأعيش مهري وأبيض ماجد

- هل هناك شاعر آخر يحدث لكم معه انفعال معين مثل ما يحصل مع غيلان؟

محمد الحافظ: طبعا، هنالك المتنبي. أبو الطيب لا أستعبر بسببه. ولكن حبي لغيلان حب وجداني متأصل. وحبي للمتنبي عقلي، هو حب تأثر. وأنا أجمعهما عادة في فطور منهما أسميه "التمر بالزبد"

- أيهما التمر، وأيهما الزبد؟
محمد الحافظ: لك أن تختار!! حتى أني لا أميز بين أيهما التمر وأيهما الزبد, كلهما يمكن أن يكون تمرا ويمكن أن يكون زبدا, أردت أولا أن أقول لك إن الزبد هو غيلان، والتمر المتنبي. وعلى كل، التمر بزبد، كلام أصلا لعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه قال "إذا وافق الحق الهوى فذلك التمر بالزبد" وأنا نظمت هذا في قصيدة لي:
وإن وافق الحق الهوى ولقلما قد اتفقا يوما، هما التمر والزبد
جئت بهذه الزيادة التي لها معنى تعليلي.
 
- بعد المحظرة التقليدية، انتقلتم إلى معهد أبو تلميت، كيف تستذكرون أيامكم في تلك المؤسسة النظامية؟

محمد الحافظ: لن أبرح المحظرة حتى أقول إن شعري نشأ في المحظرة, ومعهد أبي تلميت أنا أعتقد أنه لو كان أتيح له أن ترعاه الدولة في تلك الأيام رعاية حقيقية كان يمكن أن ينافس الأزهر في أيامه والزيتونه في أيامها, كان هناك علية القوم من رجال الثقافة, كان معنا العلامة محمد يحي ولد عدود رحمه الله ورضي عنه ونفعنا ببركته, كان رجلا صالحا وعالما لا تكدره الدلاء في النحو والفقه وفي كل شيء. وكان هناك المختار ولد حامدن أنا لم أدركه مدرسا هناك، كان قد انتقل، وكان هناك محمد عالي لم أدركه مدرسا, ولكني أدركته وهو في بوتلميت فكنت أختلف إليه أحيانا أقرء وأدرس عليه بعض الأبواب من الألفية التماسا لبركته, كنت ترى النور يشع من وجهه كأن وجهه يقطر نورا. كان من العلماء الربانيين، الصالحين فيما يظهر لي ولا أزكي على الله أحدا.

- كانت أيامكم في معهد أبو تلميت، والسنوات التي أعقبت ذالك، فترة الانتماءات الأيديولوجية، وظهور التيارات الفكرية، أين كنتم أنتم داخل ذلك التصنيف؟

محمد الحافظ: هذه الفترة بالذات كانت فيها بدايتي مع الشعر. لأني قلت الشعر تقريبا سنة 1969 أو نحو ذلك, وجئت إلى المعهد سنة 71 وكتبت قصيدة عن الأصالة الموريتانية, وكانت الفترة إذ ذاك في بداية تفكير موريتانيا في الانضمام إلى الجامعة العربية, ونظمت هنالك مسابقات، تلك المسابقة التي نجح فيها إسماعيل ولد محمد يحظيه بقصيدته:

يامورتان لك الكلاءة والظفر** فابقي إلى جنب العروبة لا مفر
 

أنا نجحت فيها على مستوى مؤسسة المعهد بقصيدة نونية من بحر الكامل لا أتذكر منها شيئا, ولكنها جاءت هي القصيدة الأولى.
 

أما فيما يتعلق بالاديولوجيات، فأنا يا أخي دفعت ثمن ذلك غاليا, لأني الآن يتحاماني الناس, وبالمناسبة نحن نستخدم كلمة "تحاماه الناس في غير موضعها" تحاماه الناس معناها: تركوه, رجل يتحاماه الناس معناها: يتحاشونه, أنا نازلت الشيوعية, فأنا أول شيء ضد الشيوعية,هذا هو مذهبي, باكرا أخذني بعض الشيوعيين وقرءوا علي صيحة المظلوم فوجدت الشيوعية هي أخطر شيء على الدين والعروبة، وعلى كل شيء, فقررت أني عدو الشيوعية, وما أزال عدوا لها, بالنسبة للفرقاء الآخرين, وجدتني أتقاطع معهم ولا أنسجم معهم. مثلا فيما يتعلق بالناصرييين، أنا عندي ميل عروبي ولكني أجد فيهم سطحية. وأجد أن معارفهم الدينية قليلة، وارتباطهم بالثقافة الإسلامية ضعيف, أما الإخوان المسلمون فعندهم ارتباط بالثقافة الإسلامية، ولكن أنا وجداني صوفي, ولم أنسجم معهم لهذه الناحية, لأني أنا صوفي وكنت أقول لهم: إن التصوف ثلث الإسلام من ناحية ونصفه من ناحية, ثلثه من حيث حديث جبريل "أن تعبد الله كأنك تراه" ونصفه من حيث حديث أركان الاسلام, وتيار البعث في ذلك الوقت لم يكن قد تقرر. البعث في ذلك الوقت كنا نسميه على أنه نوع من الشيوعية عليه الهيموكلوبين من العروبة, مع أني في ما بعد ذلك كرمني أهل بغداد, وأصبحوا يبعثون إلي كل سنة لأحضر المربد، ولكن ليس عن طريق الايديولوجيا. فقط لأن صدام رحمه الله كان يحب الأدب ويحترمه, أرادوا مرة أن أكون بعثيا, فقلت لهم إنكم تريدونني بثمن، وأنا أعطيكم نفسي مجانا, أنتم تحبون العروبة, وأنا أحب العروبة.
 

- هل حصل أن أقمتم في العراق؟

محمد الحافظ: حضرت مهرجان المربد مرات، وأقمت أيضا هناك فترة.

كيف كانت فترة إقامتكم هذه بالعراق؟

محمد الحافظ: هي من أخصب الفترات في حياتي, أنا أشبه نفسي فيها بتوفيق الحكيم عندما جاء إلى باريس ليدرس الحقوق فلم يدرسها، ولكنها تخصص في الأدب وخاصة المسرحيات, فأنا جئت إلى بغداد لأسجل فيها، وفاتني التسجيل فجعلت أختلف إلى المكتبات وأشتري الكتب، وعندما أقرأها أردها إلى المكتبات وأخصم شيئا منها فأشتري به كتبا أخرى, وأنا أشبه الأديب دائما ب"عر انتك تاره " لكي يؤكلها، لتغلولب رقبته, فالأديب دائما يقرأ لتزداد ثقافته وتغلولب رقبته في المعرفة, وهذا الكلام أظنه لرامبو شاعر إسباني.

- زمنكم في العراق، هل التقيت بمشاهير الأدباء هناك؟
محمد الحافظ: لقيت البياتي والسياب وجدته مات من زمان, وعبد الوهاب البياتي أمر أحد الذين يعملون معه في مجلة وعي العمال أن يجري معي مقابلة، وأجراها معي، والتقيت بالبيات مرة بعد تلك المرة أو مرتين.
 

- البياتي كيف هو عندك؟

محمد الحافظ: هم يعتبرونه مقدسا عندهم، يعتبرونه شاعرا عظيما. وأنا لا حظت أنه مفكر جمالي, أنا أقول إن أودونيس وعبد الوهاب البياتي مفكران جماليان. يعني كلاهما فيلسوف يتحدث عن الحضارة والأساطير بأسلوب يحاول أن يكون شعرا, ولكن البياتي أقوى من الناحية العروضية، والناحية الشعرية. ربما يكون خيال أودنيس أقوى، ولكن البياتي وجدت له قصائد يقلد بها المعري لا بأس بها من الناحية العمودية. وطبعا، التقيت هناك بأدباء آخرين عديدين.

- كيف كان المربد وأجواء اجتماع الشعراء هناك؟

محمد الحافظ: كنا نلتقي تقريبا بحوالي 3آلاف شاعر وهنالك شاعر أمريكي مرة ألقيت قصيدة 250 بيتا ومع أنه لا يفقه كلمة من اللغة العربية، وأنا لا أفقه اللغة الانكليزية. أحبني حبا شديدا وعمل مني صورا، وكتب عني هنالك.
مالذي كتب عنك في أمريكا، ماذا قال؟
محمد الحافظ: لم أطلع على ما كتب, لكنه هو أخبرني أنه نشر عني, وكتبت أنا عنه أيضا. هو كان يرسل شعر رأسه طويلا حتى يصل إلى رجليه, فكتبت أن شعره تغار منه كل غانية هندية تود أن يكون لها شعره, وصفته خارجيا فقط وتحدثت عن قصيدة ترجمت من شعره إلى اللغة العربية.
 
- ما ذا تذكرون من حكايات المربد؟

محمد الحافظ: أذكر مرة أني كنت أتحدث مع أحد الأدباء في المربد وهو عراقي معجب بنزار قباني ويفضله على المتنبي، وقال أحد السائلين كأنه يغريه بي ويعلم اتجاه كل منا أيهما أشعر المتنبي أم نزار، فقلت له أنا هذا السؤال يحتاج إلى ألف سنة يعيشها نزار فإن بقي بعد ذلك شامخا مثل المتنبي فيمكن أن يطرح السؤال, ونزار يومها حي كان يحضر معنا المربد, وقد ألقى قصيدة وأنا يومها موجود قصيدة "نحن كلاب العصر" وكان العراقيون يحتفلون به جدا يحبونه جدا, وهو نثره أحسن من شعره. حضرت مرة المربد وافتتحه هو فقال "لا توجد مدينة تدخل وتخرج من معاطف الشعراء تتبرك بهم كما يتبرك بالصالحين والأولياء إلا بغداد" هذا من جملة كلام قاله، وأنا شخصيا لم ألقه. هناك مرة في المربد كان يجلس نزار قباني وسعاد الصباح ومجموعة معهم في مكان واحد يتحدثون، فجاءني بعض زملائي من الموريتانيين وقال لي تعال نأخذ صورة مع نزار وسعاد الصباح. قلت له أنا لا أجد في نفسي نقصا في شخصيتي حتى أكمله بصورة مع هؤلاء, أنا إن كنت لا بد ملتقطا صورة ألتقطها مع غيلان والمتنبي. وهناك مرة واحد يقال له خليل الخوري والعرب للأسف شعراؤهم كثير فيهم شرب الخمر, قال لي الخوري هذا يا أخي أنت لا تشرب الخمر, قلت له لا، لا أشرب أبدا, قال لن تكون شاعرا, قلت له قرائحنا لا تحتاج إلى سماد, أنتم تسمدون قرائحكم لتنتج لأن الأرض غير خصبة, ونحن أرضنا خصبة, أرض عذاة، والأرض العذاة هي الأرض البعيدة من الأنهار وعادة تكون قليلة الوباء.
 
بأرض هجان الترب وسمية الثرى عذاة نأت عنها الملوحة والبحر.

الأرض التي لا تسقى إلا بماء المطر.
 

هذا من الحكايات, قلت لك أحدهم قال أيهما أشعر نزار أم المتنبي، فقال صاحبي إن نزار اتخذ المرأة طريقة إلى الثورة، فقلت له لقد فعل المتنبي قال :

محب كنى بالبيض عن مرهفاته وفي الحسن في أنيابهن عن الصقل

فقال إن نزار تحدث عن غزو الفضاء فقلت له وكذلك المتنبي قال في قصيدة يمدح بها كافور:
يرى النجوم بعيني من يساورها كأنها سلب في كف مسلوب

هل يكون سلب إلا بعد غزو بل بعد انتصار في هذا الغزو، أليست النجوم أجراما فضائية. قال لي أنا أحبه لأنه هجا السادات رئيس مصر في قصيدة, هذا كان في أواخر السبعينيات أو بداية الثمانينات. كان نزار قد كتب :

سرقوا منا الزمان العربي. سرقوا فاطمة الزهراء من بيت النبي.

وقال هو هجا السادات وأنه أحبه لذلك. قلت له ألا تحب إلا من هجا السادات, أنا لا أحب هجاء السادات وأعتبر أنه رجل عربي مسلم أخطأ ولكن إذا كنت لا تستبشر إلا بهجاء السادات فاسمع إلى قول المتنبي فيه. قال في السادات قلت نعم. يقول:
لا يدرك المجد إلا سيد فطن لما يشق على السادات فعال
فبهت الحاضرون، وقالوا أهذا للمتنبي، قلت لهم خذوا القصيدة:
لا خيل عندك تهديها ولا مال فليسعد النطق إن لم تسعد الحال

فاستحضرنا ديوان المتنبي، فإذا بي القصيدة فيه, هذا من طرائف قصصنا في المربد. ومن أطرف ما في ذلك أن رجلا من فلسطين يعمل في الكويت يسمى عبد الله السيت وكان جسيما جدا, كان رجلا صاحب فكاهة وألقيت بحضوره قصيدة من 250 بيتا، فقال لي يا بني أنت شاعر عظيم جدا ولكن ما فائدة الشعر؟ فقلت له مثل بعض الشاي الصيني يستعمل لتخفيف الوزن, وكان وزن الرجل كبيرا. والغريب أن هذا الرجل كان واسع الصدر. هذه الكلمة التي كنت أظن أنها تغضبه لم تغضبه وأصر على أن أعمل معه في الكويت, وجئت هنا على ذلك السبيل ولكن الوالد رحمه الله لم يقبل سفري إلى هناك, والغريب أن بعد ذلك بفترة احتل العراق الكويت.

بعد فترة العراق، أقمتم في السعودية كيف كانت تلك الإقامة؟

محمد الحافظ: هما فترتان متداخلتان لأني أنا جئت إلى العراق ثم ذهبت إلى السعودية وعدت أيضا إلى العراق, والسعودية أقمت فيها سنة أو حوالي سنتين, وهذه الأرض أعطاها الله سبحانه وتعالى أنها أرض مهد الإسلام وأنها يستعشر المرء فيها روحانية عجيبة جدا في مكة والمدينة ويشعر أن كل مكان منها فيه عطر من النبوة ومن الصحابة والتابعين. أنا جلست في مكة شهرا تاما، هذا الشهر كان مثل 10 سنوات. وأنا وجدت أحد الطلاب إذ ذاك يحضر دكتوراه في الحديث, وقد جمع من مكتبات الدنيا ما هو موجود في كتب الحديث. جاء ببعض المخطوطات النادرة وكان هذا الرجل يحقق كتاب لأبي بكر بن العربي اسمه قريب من هذا "نور القبس على موطأ مالك بن أنس" وجمع من المكتبة الظاهرية في دمشق ومن مكتبات الهند ومكتبات باكستان ومن مكتبات تركيا وابريطانيا وغير هذا الدول المخطوطات المصورة والكتب. فعكفت أنا على هذه الكتب، وبعض الكتب المؤلفة في الحديث. هناك كتابان حديثان شدا انتباهي هما كتاب لرجل يسمى عجاج الخطيب بعنوان السنة قبل التدوين, وكتاب للعلامة السوري الدكتور مصطفى السباعي "السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي" وهذا الكتاب عندما أراد أن يرد على واحد اسمه أبو ريه وهو رجل مشئوم كان يريد أن يسب سيدنا أبو هريرة. فرد عليه. وكان الرجل هذا استشكل كيف أبو هريرة متأخر إسلامه ويروي هذا الكم الهائل من الأحاديث, فقال له السباعي إن ما يحفظه الشنقيطي يقصد محمد محمود ولد اتلاميد من الشعر العربي أكثر مما يحفظه أبو هريرة من الحديث, فهذا دليل دامغ. وأنا لا حظت شيئا أن النبي صلى الله عليه وسلم يقال إنه جمع لأبي هريرة هكذا من الهواء والفيزيائيون يقولون إن كل كلام تحدثه الإنسان موجود في الهواء. فلعل النبي صلى الله عليه وسلم كيف له ذلك, وفي الحديث أنه دعا له أيضا. فعلى كل حالة فترتي في السعودية قرأت فيها كما لا يتناهى من كتب الحديث, وأصبح للحديث ما للشعر في قلبي, وهذا لم يكن لي لولا بركة مكة, ومرة كنت في الإمارات العربية وكان لي صديق وكان يذهب إلى عمله فقلت له اعطني ديوان شعر أتعلل به, قال لي ليس عندي إلا مجلة هنالك مجلة متخصصة في الإمارات في الحديث. فوجدت دراسة لابن حجر في هذه المجلة رسالة يحلل فيها حديث ، فلما جاءني قال أو جدت شعرا، قلت نعم وجدت أحسن من الشعر إن دراسة ابن احجر لهذا الحديث وعلله الخفية وجدت فيها سكرة ونشوة لا توجد في شعر أبي الطيب المتنبي.