إعلان

إعلان

الخميس، 9 يونيو، 2011

في تأبين الفنانة الراحلة ديمي منت آبه : السفير باباه سيد عبد الله


 قدم السفير والصحفي باباه سيد عبد الله ورقة في تأبين الفنانة الراحلة ديمي منت آبه الذي احتضنته درا الشباب القديمة يوم الأربعاء .
وقد لاقت كلمة باباه وقعا خاصا حيث أبكت بعض الحاضرين  وتركت  اآخرين يغادرون  القاعة متأثرين  بالصور البليغة والمعاني السامية في شخصية الفنانة ديمي منت آب رحمها الله تعالي.
وتنشر بتلميت اليوم هذه المداخلة كاملة .

نص الكلمة 


سألتنيه رثاءً خـُذه من كبدي  
لا يـُؤخذ الشيءُ إلا من مصادره
ما ذا أقول في تأبين راحلة – حاضرة في تفاصيل حياتنا اليومية وتاريخنا المعاصر؟
ما ذا أقول في عنقودٍ نمى في حديقةِ كرْمٍ أفنانــُها (سيداتي ولد آبه) و(منينه بنت أيده)؟
ما ذا أدبــِّجُ في بلبل اصطفى له الله من أترابه بلابلَ(سيمالي) و (الخليفة) رحمهما الله، و ( سدوم) حفظه الله وأطال عمره؟
**********
حقا لقد خطف الموت منا أختا عزيزة... والموت حق على كل نفس...وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الكلمات التالية شهادة حق في بضعة من هذا الوطن... والمؤمن لا يكتم الشهادة...
رحم الله ديـــمي : لقد سبـَحتْ بنا في فضاءات الإبتهال والتبتل:
-         يــمَّــمـْنا معها (حوظ النبي ومارُوغُو)...
-         واستغثنا معها بــ(شفيع الورى وقد بلغ الخوف المدى)....
-         بصوتها البلبلي المؤمن،صدحتْ بأشعار حسانٍ وكعب والبوصيري...
-         طال مــَسْرانا معها على مطايا قبَّلْنا يــُمناها ويــُسراها بالدعاء والثناء...
-         مع سدوم ولد أيده ،أخيها ورفيقها الوفي حتى واراها الثري أطال الله عمره ، حلــَّقا بنا إلى سدرة المنتهى بأبيات تناشداها:

(صُورت من حسب ومن نسب ومن                   أدب ومن نور ومن إيمان
وخُلقت من شرف ومن كرم و                           ملك ومن قمر ومن إنسان
مـُزجت طباعك بالسماحة والوفا                  فحوت جميع الحسن والإحسان)

-         ولم تزل ديمي ، حتى آخر أيامها، تذكرنا أن (هذه الدنيا نضارة أيكة...إذا اخضرَّ منها جانب جف جانب)....

في الإنفاق و الجود الحاتمي:

-         كانت تستحي أن تعرف يُمناها ما أنفقت يُسراها على العلماء وطُلاب العلم، وعلى المحتاجين و اليتامى والثكالى وعابري السبيل...
-         كانت تعرف أن على رأسها تاجا ظلت حريصة على ترصيعه بأعمال البِر والخير والعطاء...

النضال والإلتزام:

-         علمتـــْنا كيف (في الجماهير تكمن المعجزات)...
-         كيف تكون (ريشة الفن بلسما ويراعا يضيء وعي الرجال)...
-         وقفتْ – في لحظة مفصلية – لتشدو: (يا موريتان اعليك... امبارك الاستقلال)...
-         وفي لحظة مفصلية أخرى...أكدت لمن آلمه طول غيابها عن هذا الوطن مكرهة: (موريتانيا هي بلادي)...ورددت ، بإيمان راسخ: (نختر عن كل أوطان..وطني موريتان)....
-         ولا غرو في ذلك: فهي أصيلة في تكانت...و (حدْ أصيل افتكانت شام)...خير من يحِنُّ َ ويَبكي ويُبكي على أهل و طلل...
رحم الله ديمي برحمته الواسعة....
-         لقد كانت سيدة مجتمع عظيمة... (ذاك الشان الِّ جبرت شان)...و (كبيرت خيمْ) كانت...ونحبها جميعا حبا سيظل حب عين لا حب كفاية...
-         أحبها الأطفال والأمهات ولبوا نداءها الخالد: (قوموا يا الأمهات..جيبُوا تركتكم جات... الدقَّه كل اطفل)..
-         أحبها الشباب وهي تستنهض هممهم في مواجهة الإقطاعية والتسلط: (شباب داعي..شباب الدولْ..يضرب الإقطاعي..كانُ يُزوَّلْ)...
-          أحبتــها بناتنا براعمَ يتلمسْنَ طريقَ الحرية والإنعتاق، يرددن نداءها الوطني الصادح: (خلو لطفيلَه منا مستقبل)...
إنها تستحق كل هذا الحب الصادق...فلقد أحبتْ- رحمها الله- كل شيء جميل في هذه الأرض...وشدتْ لها: (يا أرضُ يا أم البشر...ومهبطَ النور الأغر)...
-         غنت  للشجرة في عيدها...
-         حثتــْنا على اكتساب العلم والمعرفة...و(شكتْ لأم المؤمنين مُصيبتــَنا بجهل الأمهات)...
-         شدتْ للرياضة الوطنية...تــُحفزُ أشبالَها على استحضار فتوحات المرابطين...
-         نهتْ عن النميمة والوشاية...وقالت بأعلى صوتها: ( ما مرفود امن لاه...يكون الهيلاله...)
-         علمتنا الصبر في مواجهة واقع عبوس قمطرير... وقالت للكدرْ (أنت شدَّوَّرْ؟).....

و لم تكن ديمي- رحمها الله- لنا وحدنا:

-         قاسمت ضحايا ديرَ يس بلواهم.. وغنتْ: أنا معك (يا فلسطين يا فريسة عصر)...
-         قاسمت مانديلا عذاباته في سجن (روبَن آيلاند) وصدحت حنجرتها الساحرة:
 (لابارتايد استعمار.... غير إنساني فغيار)
-         غنت لبيروت تجتاحها قوات الإحتلال والتدمير...وقالت مع الأخطل الصغير:
لهفي عليك فكل يوم مصرع                                   للحق فيك وكل عيد مأتم
والأمر أمرك لو رجعت إلى الهدى                         فالحب يبني والتباغض يهدم

ولو كان الأخطل الصغير بيننا اليوم لكانت ديمي- رحمها الله- أوْلى بأبياته التي شنفت بها أسماعَنا وكأنها كُتبت لتُــلقَى في تأبينها:
قلت : يـــا رب أي ذنب جنتــه                                أي ذنب ؟ لـقـد ظلمت صبـاهـــا

          أنت ذوبـــْتَ في محاجرها السـحــر                                ورصعْت بـاللآلـئ فـــــاهــا
أنت عسَّلتَ ثغـرهــا ، فـقلـوب                              الناس نحلٌ أكمامهــا شفـتـــاهـا
رحم الله ديمي رحمة واسعة...وأسكنها فسيح جناته بين الصديقين والشهداء والصالحين...وألهمنا في فقدها الصبر والسلوان...
وكما تعلَّم نزار قباني الغزل من بشارة الخوري، تعلَّمــْنا جميعا من ديمي معنى الحب والأخوة والسلام:
يا عيونا أوحت إلينا الغراما                                   أجنونا سقيتــِنا أم مــُداما
يا بساط الهوى ويا وتر الشعر                              سلاما ويا شقيق الندامى
أختي العزيزة: ((أمثالكِ تموت أجسامهم لأن الموت حق على الأحياء جميعا , ولكن ذكرهم لا يموت، لأنّهم فرضوا أنفسهم على الزمان وعلى الناس فرضا... إن قبرك لن يستأثر بك , فلكِ في قلوب الذين يحبونك ذكر لن يموت... , ولن يستأثروا بذكرك... , وإنّما ستشاركهم فيه الأجيال التي تبقى بقاء الدهر)).
إذا ترحلتَ عن قوم وقد قدروا                      أن لا تفارقهم فالراحلون همُــــو
إنا لله وإنا إليه راجعون....
انواكشوط، يوم الأربعاء 8 يونيو 2011
باباه سيدي عبد الله

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق