إعلان

إعلان

الاثنين، 19 أغسطس، 2013

محمد ولد الشيخ.. الراحل في صمت !

عبد الله ولد سيديا ـ صحفي موريتانيا مقيم في الإمارات العربية


الصحفي عبد الله ولد سيديا 
مضى اليوم شهر كامل؛ منذ أن رحل عن دنيانا أب مؤسس للدولة الموريتانية الحديثة، كان من بين الرعيل الأول، الذي آمن بهذا الوطن في كيانه، قبل أن يوجد على الخارطة الجغرافية. 
آثر أول وزير دفاع لموريتانيا ومؤسس جيشها، الرحيل في صمت تماما كما عاش في صمت مطبق. 

لا يعلم كثيرون أن محمد ولد الشيخ ولد أحمد محمود غادر نواكشوط عام 1964، بعد أن غدر به رفاق النضال، ولم يعد إليه إلا بعد أربعة عقود؛ مكرهاً بسبب المرض.
كره محمد المدينة التي رسمها في ذهنه حلما، قبل أن توجد حقيقة في الواقع، كرهها رغم أنه خططها برجله، ووضع على الأرض الندية..معالم وإشارات، لوزارات وعمارات، سترى النور فيما بعد. 
خرج محمد من نواكشوط؛ ولم يمنح لنفسه قطعة أرض واحدة، عكس الكثير من مسؤولي اليوم، الذين يتهافتون على الأرض، حتى لو كانت حصى تذروه الرياح. 
أما لماذا كره محمد نواكشوط لهذا الحد، فليس لغزاً بالتأكيد، فعاصمة القرار السياسي الفتية أصبحت مدينة للدسائس والمؤامرات، التي كان محمد أول ضحاياها، حيث أقيل وهو في مهمة في النعمة، بتهمة ملفقة وهي محاولة قلب نظام الحكم، الذي ثبت أركانه بحزم، أيام كادت تقتلعه عواصف السياسة الهوجاء. 
فضل محمد المنفي الاختياري، على الإجباري، وتوارى عن الأنظار في قرية (عين السلامة ) شمال بتلميت حيث سيارة "لاندروفر" واحدة متهالكة، هي وسيلة الاتصال الوحيدة بالعالم الخارجي. 
عاش زاهدا في كل شيء، تحت خيمة من وبر وعريش من حشيش جاف، وكان سعيداً بتلك الحياة البدائية، لأنها نقية صافية لا دسائس فيها ولا مؤامرات. 
قبل نحو عقدين من الزمن؛ أصبحت عين السلامة وعرة المسالك بسبب التصحر، صعبة على محمد ومن حوله من رجال ونساء لا يملكون السيارات الفارهة، لأنهم ذوو أكف ناصعة، فقرر الرحيل إلى بتلميت. 
وحتى رغم أنها لا تشبه نواكشوط في شيء، إلا أن محمد لم يأمنها على نفسه، ومن معه، ففضل السكن في ضواحيها متواريا خلف (العلب الساحلي). 
رغم أنها حياة بدائية بالنسبة لمن يملكون القصور ويتربعون على الكراسي، إلا أنها كانت بالنسبة لمحمد الجنة التي يعمها السلام، جنة لا جلبة فيها ولا ضوضاء، عوضته عن المدينة الآثمة التي سلبته أبسط حقوقه. 
لن تصدقوا أن محمد ولد الشيخ الوزير والوالي والمدير، لم يحظ بحقوق التقاعد في الدولة الموريتانية، وخاض معارك قانونية، دامت ثلاثين سنة، ليحصل على راتب التقاعد الذي لا يسمن ولا يغني من جوع. 
هكذا عاملت الجمهورية الفتية أحد رموزها وأعلامها، لفظته في حياته، وجعلته بعد مماته نسيا منسيا. إلى هنا يعتصرني الألم وأنا أرى محمد يرحل بصمت كما عاش. 
صمت مطبق لم تكسره قصاصة إخبارية واحدة لوكالة الأنباء الرسمية أو خبر بسيط في النشرة المسائية لشاشتنا الرمادية..!! 
حقا إنه لموقف مخجل لهذه السلطة، وتلك الدولة التي لم تذكر أحد مؤسسيها، ولو بدقيقة صمت أو ساعة حداد، ليصدق فيه قول شاعرنا المبدع أدي ولد آدبه : 
كيف لم يحرزه دقيقة صمت ## إن عاما من الحداد قليل 
رحم الله محمد ولد الشيخ، وأسكنه فسيح جناته، وأبدله دنياه الظالمة بحسن المآب في الآخرة

نقلا عن موقع صحراء ميديا 

هناك تعليق واحد:

  1. لقد أخبرني رحمه الله -في زيارة له بعد وفاة صديقه الوالد عبد الله بن محمد سيديا-أنه الذي سعى لإقناع معاوية بن الطائع أن ينخرط في الجيش الموريتاني الفتي، بعد أن كان يمارس مهنة التعليم.

    ردحذف