إعلان

إعلان

الخميس، 2 ديسمبر، 2010

معالم عربية ... "أبو تلميت" مدينة النوابغ المهملة


المختار السالم
أبناؤها خطوا أهم سطور التاريخ الموريتاني الحديث 

معالم عربية ... "أبو تلميت" مدينة النوابغ المهملة 



قبل قرون كانت مدينة “أبو تلميت” مجرد بئر وحرث في وسط الصحراء الموريتانية، وربما لم يكن يخطر على بال من يمر بتلك البقعة أنها ستتصدر في وقت لاحق واجهة البلد علمياً وسياسياً، بل يخط أبناؤها أهم سطور التاريخ الموريتاني الحديث.


كلمة “أبو تلميت” مركبة من مقطعين: “أبو” (العربية) و”تلميت” (الصنهاجية) وتعني نبتة منتشرة في المنطقة.


سنة 1860 بنى العلامة الموريتاني الشهير الشيخ سيديا الكبير داراً قرب البئر، لتنطلق بذلك رحلة بناء المدينة ويكتب فصل جديد في تاريخها، وفي وقت لاحق ولتضافر الظروف، بدأت المدينة تتسع وتصبح المكان اللائق للكثير من الطامحين علمياً وسياسياً وشعرياً واجتماعياً . ثم لتتحول اليوم إلى مدينة “أبو تلميت” الأثرية بكل ما تحمله من رمزية.


تقع مدينة “أبو تلميت” في قلب الجنوب الموريتاني على بعد 165 كلم شرق العاصمة نواكشوط بين الكثبان الرملية الشاهقة، وتضم آلاف السكان المنتمين إلى عدة قبائل وأوساط اجتماعية متنوعة.


يستغرق السفر إلى “أبو تلميت” من العاصمة نواكشوط نحو ساعتين بالسيارة، والمدينة التي تقع في قلب “حرارة الجو” تمتد على كثيبين وسهل واسع، وتعد إدارياً مقاطعة تتمتع بسلطات محلية، وقد بدأت المدينة تستنشق الحداثة العمرانية بحياء، في ما لا تزال المدينة الأثرية خرائب وأطلالاً قليلة وإن كانت تخفي تاريخاً طويلاً ومفصلياً ليس في حياة سكان المدينة فحسب بل في حياة البلد بكامله.


بعد أن استقر بها الشيخ سيديا الكبير أصبحت “أبو تلميت” الوجهة العلمية الأولى في موريتانيا وخاصة في الجنوب الموريتاني (ولاية الترارزة) التي تعتبر الدماغ الثقافي لموريتانيا.


وقد أم آلاف طلاب العلم المنطقة ناهلين من محاظرها (جامعاتها البدوية)، كما بدأت نواة أول مجتمع سياسي موريتاني حديث التشكل في هذه المدينة نهاية القرن الثامن عشر.


وكان لأسرة الشيخ سيديا النفوذ الروحي الأكبر بين سكان المنطقة قبل أن يمتد نفوذها إلى جميع أنحاء البلد، بل يتجاوزه إلى البلدان المجاورة.


أنتج الوسط العلمي للمدينة جواً مثالياً للنبوغ والعبقرية في الشريعة والسياسة، ما جعلها الوجهة المفضلة لكبار الشعراء ولأساطين المجتمع الموريتاني، بل أسهم ذلك في انتشار المشيخات العلمية في القرى المجاورة، حيث اشتهر عشرات العلماء الموريتانيين الأفذاذ طوال القرنين الماضيين.

محظرة الميمون


من أي اتجاه قررت السفر إلى “أبو تلميت” وخاصة من الجنوب والشرق والغرب فإنك لابد من أن تتوقف عند النقاط السكانية التي تضم كل منها مدرسة دينية متميزة في علوم القرآن والشريعة واللغة العربية.



فمثلاً تقع محظرة “أهل داداه” الشهيرة بتدريس القرآن الكريم قرب المدينة، وتقع “محظرة الميمون” غرب أبو تلميت، وهي المحظرة التي أسسها العلامة يحظيه ولد عبد الودود، الملقب ب”سيبويه موريتانيا” وكان يدرس بها في القرن الماضي قرابة أربعة آلاف طالب وقتها، وتروى في جميع أنحاء موريتانيا أخبار ونوادر هذه المحظرة ومدى النبوغ الأسطوري لطلابها ما دفع أحد العلماء الموريتانيين إلى تسميتها ب”المجرة الدرية”، وإلى الغرب من ذلك تقع قرية “إديني” التي كان يقيم بها علامة النحو العربي الحسن ولد زين، وبالقرب من ذلك مضارب محظرة أهل عدود (قرية “أم القرى”) التي يعود تاريخها في تدريس العلم إلى 300 سنة وهي المحظرة التي أنجبت عشرات العلماء من بينهم العلامة محمد سالم ولد عدود والعلامة محمد الحسن ولد الددو.



أما إلى الجنوب والشرق من المدينة فتقع عشرات القمم العلمية المشهورة في موريتانيا، ومنها أسرة أهل الشيخ سيدي محمد، وأهل أباه (قرية النباغية)، وأهل النحوي، وأهل المشري، . . وغيرهم كثير.


وإذا كان طلاب هذه “المجرات الدرية” قد انخفض عددهم خلال العقود الأخيرة بفعل التدريس الرسمي والتحول الاجتماعي والهجرة إلى الريف، فإنها لا تزال تقوم بدور علمي واجتماعي بالغ الأهمية.


إذن في “أبو تلميت” وضواحيها بداية القرن الماضي كان الطريق سالكاً ليخطو الرعيل الأول خطواته الأولى نحو تأسيس الجمهورية الجديدة، محدثاً بذلك نقلة نوعية في تاريخ هذه البلاد.

حركة لا تهدأ
في مدينة “أبو تلميت” لا تهدأ الحركة، فهي مدينة تشبه الساعة التي تتحرك كل ثانية، والسبب في ذلك يعود إلى تموضع أحيائها وروابطها الاجتماعية وكثرة زوارها ونشاطها العلمي والسياسي والاجتماعي، كما يعود إلى الطريق المعبد المار من وسطها الذي يعبر طول البلاد، لكنه يقسم المدينة إلى شطرين متقابلين لجهتي الشمال والجنوب.


استكشاف هذه المدينة القابعة في الشعور واللاشعور الموريتاني، ليس سهلاً، وأول ما يلفت انتباهك على الشارع الرئيسي هما الخطان المتوازيان من الحوانيت والمخابز والمطاعم والمحال التجارية الصغيرة وطاولات باعة الخضراوات واللحم والسمك، ما يرفع وتيرة الحركة في الصباح والمساء حيث يتوافد سكان المدينة للتسوق في سوق المدينة . ويرتفع الإقبال على السوق مع وصول سكان القرى المجاورة الذين يجلبون مواشيهم للبيع ويتسوقون قبل أن يقفلوا عائدين إلى أحيائهم.


تشاهد الكل في حركة دائمة تضفي عليها مجالس شرب الشاي وتناول المشوي نكهة خاصة.


و توجد بمدينة “أبو تلميت” عدة أحياء منها حي “الجديدة” و”طيبة” و”اكضاي” . . . و”لحواش” وهي مركز تجمع أسرة الشيخ سيديا التي تعد مكتبتها واحدة من أهم المكتبات الأثرية في البلد، وعثر فيها قبل سنوات على أحد كتب ابن رشد الصغير وهو الكتاب الذي صنف عالمياً على أنه مفقود.


و على التل الرملي الواقع في الجهة الشمالية من المدينة تشاهد بنايات مرتفعة خربة، ومن هنا يبدأ الزائر أو السائح استنشاق التاريخ العبق لهذه المدينة، فكل شبر منها يختزل تاريخاً حافلاً بالحكايات والقصص المحفورة في ذاكرة الشعب الموريتاني .

و هذه البنايات هي المقر الذي اتخذه المستعمر الفرنسي كواحد من أكبر مراكز وجوده في موريتانيا إبان الاحتلال.


فتوى مثيرة للجدل


وقد بدأت قصة هذه المدينة مع السياسة، إثر الفتوى الدينية المثيرة للجدل التي تشرع التعامل مع هذا المستعمر أملاً في إيقاف الحروب الداخلية بين الإمارات والقبائل الموريتانية وإنهاء عهد “السيبة” وغارات النهب وانتهاك الحرمات التي كانت سائدة في القرون الماضية .


و رغم أن المقاومة الموريتانية رفضت هذه الفتوى و واصلت عملياتها الجهادية، فإن المستعمر الفرنسي لم يتمكن أبداً من دخول البلاد بالقوة قبل هذه الفتوى التي سهلت التعامل معه ثم الخضوع لإدارته، ورفض ثقافته في ما عرف ب”المقاومة الثقافية”.


الأطلال الخربة لحي المستعمر الفرنسي، مملوءة بالحكايات، ومنها قصة تسمية شارع شهير في المدينة باسم “بور”، ويروى أن القائد الفرنسي “جان ابيير بور”، كان يفرض على رجال المنطقة بالإكراه، حمل الحجارة ومستلزمات بناء هذه الدور التي أصبحت خربة، وقد قرر أحد الرجال المستخدمين في السخرة الانتقام لكرامته وشرفه بقتل هذا القائد الاستعماري، فتحين فرصة الاختلاء به وضربه على الرأس ما تسبب في مقتله ثم قام بدفنه في حفرة لا يعرف مكانها ومن يومها سمي الشارع باسم هذا الضابط الاستعماري المتعجرف، ويحلو للبعض القول إن قبره يوجد الآن تحت الطريق المعبد المار من المدينة وفي ذلك رمزية واضحة لمصير المحتلين.


و في المدينة يحدثك السكان عن تاريخ أول مدرسة نظامية بنيت فيها سنة ،1913 وأصبحت الآن أطلالاً بعد الاستغناء عن بنايتها سنة ،1989 بعد بناء مدرسة بالقرب منها تعرف الآن ب”المدرسة رقم واحد”.


و كان الفرنسيون يرغمون التلاميذ على التسجيل في هذه المدرسة لدراسة اللغة الفرنسية، وهو ما رفضه الأهالي بشدة واعتبروه كفراً بواحاً، كقرار سائر سكان موريتانيا، فما كان من رجال الاستعمار إلا أن اتخذوا قراراً غريباً فرضوا من خلاله على كل شيخ قبيلة أن يرسل أحد أبنائها على الأقل للتعلم في هذه المدرسة، فقبل بعض شيوخ القبائل بذلك مرغمين، واحتال آخرون فأرسلوا أبناء مواليهم نيابة عن أبنائهم، وقام آخرون بإرسال أبنائهم بعيداً إلى الريف لإخفائهم.


وغير بعيد من “المدرسة رقم واحد” ترتفع أعمدة منتصبة هي كل ما تبقى من مبنى “معهد العلوم العربية والإسلامية” وهو أول معهد حديث للعلوم العربية، وكان منطلق نهضة ثقافية ودينية حديثة حيث تخرجت منه نخبة من العلماء والشعراء عرفت طريقها في ما بعد إلى الإدارة، وساهمت كنواة مهمة في الطاقم البشري لدولة الاستقلال.


ومن هؤلاء العلامة محمد سالم ولد عدود رحمه الله، والعلامة حمدان ولد التاه، الوزير السابق والأمين العام لرابطة العلماء الموريتانيين حالياً، ورائد الأدب الموريتاني الحديث الشاعر أحمد ولد عبد القادر، وغيرهم كثيرون.


وقد جاء إنشاء معهد العلوم العربية والإسلامية في مدينة “أبو تلميت” عام 1955 غيرة على الهوية الثقافية للبلد وضرورة مواكبتها للعصر.


بدأ المعهد تحت خيام ضربت على التل الرملي المجاور للمدينة، وسكن فيها الطلاب الذين بدأوا تلقي دروسهم على يد نخبة من علماء البلاد، وفي سنة 1956 بنيت أعرشة من أعواد الثمام والأراك والحطب إلى جوار المكان نفسه وخصصت للدراسة لتخصص الخيام للسكن، ومن ذلك التاريخ شاع ذكر هذا المعهد فبدأ الطلاب من جميع أنحاء البلاد يتوافدون عليه، وقد حرص الرئيس الفرنسي الجنرال ديغول خلال زيارته لموريتانيا غداة الاستقلال على أن يشاهد بنفسه ليشاهد سير الدراسة في هذا المعهد الذي انتهت خدماته مع بدء انتشار التعليم النظامي في البلاد.


نواكشوط - المختار السالم 
                                        نقلاعن جريدة "الخليج" الإماراتية        


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق