إعلان

إعلان

الأربعاء، 9 فبراير، 2011

"ميدان التحرير"..وإخوته!!../ حبيب الله ولد احمد


الكاتب الصحفي  حبيب الله ولد احمد


 لم يفهم الحكام العرب رسالة شعوبهم التي انطلقت من "سيدي بوزيد" التونسية تحمل توقيع "محمد البوعزيزي" واضحة كالشمس رأد الضحى..رسالة قصيرة
مختصرة:"أيها الحكام كنتم تذرون الرماد في أعيننا، لتحجبوا عنا الشمس و الحقيقة طيلة عقود من المرارة
والمهانة والظلم وقهر الرجال..اليوم هذا رمادنا نذره في أعينكم حقيقة لا وهما، واحتراقا لا هروبا..عيوننا ظلت مفتوحة على رمادكم، لأنه لم يكن قادرا على وضع الغشاوة عليها..عيونكم اليوم يجب أن تغمض هربا أو استقالة أو هزيمة على رمادنا الحي، المحاط باللهب وبوهج الثورة التي لا راد لقضائها"
رسالة قطعت كل لسان، وأبقت كل الطغاة عرايا تحت وهجها..
تونس كانت البدأ..وصنعت الاستثناء.."هامان" هذه المرة لم يكن على استعداد لمواصلة بناء "الصرح" وعمال" السخرة" ثاروا عليه..لذلك وجد "فرعون" نفسه وحيدا طريدا، بين أرض قفزت من تحته وسماء لا يعدم أن "يجد له شهابا رصدا" إذا فكر في اللجوء
إليها!!..حدث الفراق..الجيش التونسي انحاز للشعب، ولم يعد ظهره محنيا للعائلة المالكة..كان كريما مع الرئيس.".اصنع الهرب بأعيننا ولك الأمان..وتأكد أن البنادق هذه المرة لن تأكل الغاضبين..وأن هذه الثورة لن يأكلها أبناؤها..والتقاليد العسكرية تعلمنا أنه تجوز التضحية بعشرات الرجال لكسب المعركة..لكننا لن نضحي بك..تلك أرض لله فالتمس فيها سبلا للنجاة"!! "فرعون" تونس -  وككل "الفراعنة"-  لم يتذكر الإيمان بالشعب إلا عندما وجد نفسه بين بحرين لا فكاك منهما..بحر الشعب الغاضب..وبحر الجيش الذي قرر الوقوف منتصبا - هذه المرة- حتى لا تلوث دماء الأبرياء نياشين رجاله، الذين يدركون أن معركة "الفرعون"
ليست معركتهم..ضاع "الفرعون" التونسي، ف"السحرة" آمنوا بالشعب، بعد أن رأوا يده "تخرج بيضاء من غير سوء"..حملت الريح رماد البوعزيزي عبر الوطن العربي، وطن الذل والقمع والانسحاق، وطن بلا شمس وبلا قمر، شمسه وقمره يئسا وأسود لونهما من الحزن من
كثرة ما رأيا- ليلا ونهارا وما بينهما- من الفقر والبؤس والجوع والتجبر والديكتاتورية والمعاناة..وتماما- كما تكفى الريح لحمل بذور بعض النباتات الطيبة والأشجار المباركة  وتلقيحها- بدا أن "الرماد التونسي" الذي حملته رياح الثورة والتغيير لقح "الرماد المصري" الذي اختزن لعقود نيران الظلم والبطش والعنجهية!!

أعطت بذرة الغضب الشعبي أكلها بإذن الله، ونبت "البوعزيزي" بشحمه ولحمه ورماده في قاهرة المعز التي أرادها "الفرعون" وبطانته بظلمهم وعجرفتهم قاهرة "المذل"، وانتصبت "سيدى بوزيد" نخلة فارعة باسقة ممشوقة القوام ملأ "ميدان التحرير" العظيم..وظهرت
أجنحة الفينيق العربي الأسطوري، وهي تنبت علوا من الرماد محلقة بعيدا في سماوات جديدة نقية تغسلها غيوم الحرية، حيث لا فرعون ولا جنده الآثمون..ولم يكن الحصاد هشيما هذه المرة.
كان "الفرعون" هو نفسه دائما..أمام "موسى وهارون"، في تونس قرطاج، في شرم الشيخ، في كل القصور الصاخبة بالخدم والحشم،و عبر ممالك الورق العربية يظل" فرعون" هو نفسه..بنفس الملامح المحنطة و"الشعر المصبوغ" والشباب "المتصنع" ..هو نفسه، بصفاقته المعهودة..بحرباويته ..بصلفه وتكبره، بجموحاته وطموحاته وحماقاته..والمؤمنون هم نفس المؤمنين عبر التاريخ، وأمام كل "الفراعنة"..نفس الإيمان..نفس الثقة..نفس
التدفق..نفس الأحلام بالحرية والكرامة..نفس اليد التي" تخرج بيضاء من غير سوء" ..نفس الحب لله وللشمس والأرض والحرية..نفس الجهاد الذي يتجسد- عبر العصور- كلمة حق تتردد اليوم أيضا وأمام نفس السلاطين الجائرين!!  حتى النهاية هي نفسها- وان طالت السكرات على هذا "الفرعون" أو قصرت على ذاك.."فرعون" مصر ربما وفق اليوم- ولوقت قصير- في تجنب الطريق الموصلة لملتقى
البحرين..ربما كان قادرا على إقناع "هامان" بجدوائية بناء "الصرح" والمضي قدما فيتشييد ما بقي منه..غير أن البحر الذي لم  "فرعون" مصر- ولن يستطيع- تجنب طريقه سيلتقي حتما بالبحر الآخر، فأمواجه أعلى وأكثر صخبا وتلاطما لدرجة تكفى لابتلاع بحار أخرى.!!
يضيق الخناق على "الفرعون"..لم يتعلم ان "التحنيط" موضة قديمة، وأنها لم تعد تستخدم للبشر والمبادئ والنظريات..تعلم الهروب إلى الأمام، وقريبا من الغرق أطلق كل ما يحفظه من كلام معسول..لكن الوقت انتهى،واللعبة انتهت، ولا أشواط إضافية، وكل
البطاقات أصبحت حمراء، وصراخ الجمهور أربك كل "الحكام" الميدانيين و"حكام" الخطوط..!!
بدا "الفرعون"- في لحظة ضعف- حنونا" وطنيا قوميا مؤمنا فاتحا،و بطلا من أبطال الحرب والسلام"، لكن الأمواج التي حركها الظلم لا تكفى دموع تمساح عجوز لتهدئتها..خرجنا من عصر الأساطير..لم يعد النيل يكف عن الفيضان والنضوب، لمجرد رؤية عروس وهمية
ورقية تقذف إليه..طفح الكيل ففاض هذه المرة، وسالت كل البطاح ..لا عاصم من أمر الثورة الشعبية إلا بالهرب أو الاستقالة أو التواري عن الأنظار..رغم تظاهر"الفرعون"بالشجاعة فانه كان مضطربا ومرتجفا من أعماقه..يدرك أن السبايا ستضيع
مع ما ملكت يمينه، وما ملكت أيمان أسرته وحزبه وبطانة السوء من حوله..لن يضوع البخور بعد اليوم من حجراته!!..لم يتذكر "الفرعون" أنه نصح فارسا شنقوه ذات يوم صاخب بالتننحى، حتى لا تغرق خيوله،  ويموت كل رجاله..لم يتذكر أن الفارس يومها قرر
الموت بشجاعة، لأنه يواجه غزوا أجنبيا ،تقول قيم الفرسان العرب ان التراجع والهروب
من مواجهته لحظة عار لا يتحملها الرجال الحقيقيون ولو دفعوا حياتهم ثمنا لكل تلك الكبرياء..نصيحة لم يحنطها "الفرعون" لنفسه، للاستفادة منها لتجنيب نفسه مصيرا
مهينا، ووطنه حريقا يوشك أن يعصف به،وشعبه فرقة يرقص آخرون هناك على وقعها، وينفثون لأجلها في كل العقد.. لا يريد "الفرعون" اليوم أن يقول لنفسه ان مكانه أصبح "بين البحرين" ولم يعد"بين القصرين" وأن صمت القبور سيكون ارحم به اليوم من صخب
القصور..الفرعون هوهو مهما اختلفت أقنعته وأماكن ظهوره..قالها التاريخ .. أما الجغرافيا فتقول ان لعنة الأرض لا حدود لها، وأنه لن ينجو منها إلا الذين يؤمنون بأنهم يتقاسمونها مع الآخرين، كما الحق في  الحياة والحرية وأشعة الشمس..وأنها ليست
ميراثا، ولا ملكا أزليا لهذه الأسرة أو تلك!!..التاريخ والجغرافيا معا يقولان- ومعهما لسان الحال- أنه في كل بلد عربي "فرعون" و"هامان" و"صروح" قيد الإنشاء و"سحرة" مؤمنون وعمال "سخرة" ينزفون ظلما..و"بوعزيزي" و"رماد" و"سيدي بوزيد"
و"ميدان للتحرير"..وجمعات للغضب!!وثورة شعبية تتكفل الريح بحمل بذورها- مع لقاح النخيل والق البطاح وخرير السواقي وبياض أحلام الخبز والرغيف وقرص الاستشفاء- عبر كل الحدود والمسافات العربية..
ظن "الفرعون" أن الرصاص هو كل شيء، وأن "هامان" مازال مخلصا ووفيا لمبادئ التسلط والجبروت، وأن السحر الذي سيتعلمه "البلطجية" من "هاروت" و"ماروت" سيصلح بديلا لما
كان يقوم به "السحرة" الذين آمنوا بربهم وبرسالة نبيه وودعوا خرافات التمائم والودع!!
لم يفهم حقائق الرماد القادم من الغرب القريب.. أنسته أعوام "الرمادة"- التي قضاها على رقاب الناس- ان الرماد "بدون تاء" قد يصبح ذات يوم وقودا لثورة هي نفسها التي أكلت أعوام الرمادة- التي كانها عهده غير المبارك- ما سواها من قلوب الناس وعقولهم وحرياتهم وكرامتهم.
تحرك ميدان التحرير..أضاء حد التألق فاختفت ميادين "التخدير" و"التزوير" و"التنظير" التي راهن "الفرعون" على قدرته على مدها بالحياة والصخب وهو يحشر فيها - على امتداد تحكمه في رقاب العباد وخيرات البلاد- فلول "السلوليين" و"العلقميين"
و"الرغاليين"..رهان خسره تأكيدا، فهؤلاء -ومن فجر التاريخ-  يكثرون عند الطمع،ويقلون عند الفزع..حتى ميدان "التحذير" فقد بريقه..ويوما بعد يوم كان يتضح ل"فرعون"
أن "ميدان التحرير" هو "يوسف الميادين" الذي أعاد قميصه بصيرة الشعب وأذهب عنها- والى الأبد- الرجس و عمى الألوان،وآوى إليه - عبر جموع الشباب الأحرار إخوته.."التغيير".."التنوير".."التطهير"!!
ضاقت الأرض بما رحبت، وما عاد ل"الفرعون"بر يقيه ولا بحر..ما عاد له ميدان آخر، فميدان التحرير جعلته كل الشعوب العربية على خزائن ثوراتها، فهو اليوم لديها مكين أمين.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق